فكيت خطوبتي ج الأخير حكايات روماني مكرم
محمود سكت لفترة طويلة، كلام الحاج عبد الحميد كان موزون وبيمس الأصول، ودايماً الكبار ليهم هيبة وصوتهم بيلخبط الحسابات. أخد نفس عميق وقال: “يا حاج عبد الحميد، حضرتك على راسي من فوق، وكلامك وعتابك ليا شرف. أنا عمري ما شوفت من حضرتك غير كل احترام، وعارف إنك راجل صاحب أصول.”
سكت محمود ثواني وكمل بنبرة هادية بس مليانة حسم: “لكن يا حاج، الموضوع مابقاش مجرد غلطة وراحت لحالها. رانيا امبارح لما حكت ل بنت خالتها، أثبتتلي إنها لسه مش ناضجة كفاية عشان تشيل سر بيتي. أنا راجل مغترب، يعني حياتي كلها مبنية على الثقة إن اللي سايبها في مصر قادرة تحميني في غيابي، وتحمي اسمي وسري. لما نختلف في مكالمة، تروح تحكي لقرايبها والناس تتفرج علينا؟ أنا مش هعيش في الغربة وعيني على الفيسبوك أشوف مين لمّح عليا ومين اتمسخر على تعبي.”
لحاج عبد الحميد اتنهد وقال: “معاك حق يا بني في كل كلمة، والبنت غلطت وغلطها كبير، بس دي قلة خبرة في الدنيا، والكل بيتعلم. رانيا شرياك يا محمود، وإنت راجل، والراجل بيعلم مراته ويوجهها، مش بيمشي من أول قلم.”
محمود حس إن الكلام بيضغط على جرحه، فقال بوجع: “التوجيه بيبقى في بيت الزوجية يا حاج، لما نكون بنبني مع بعض. إنما إحنا لسه في البر، والبدايات دي مابتطمنش. أنا مش عايز أظلمها معايا، ولا عايز أعيش عمري كله شايل هم إن أي مشكلة بيننا هتبقى مشاع للعيلة كلها. حقك عليا يا حاج، بس أنا شايف إن ده القرار الصح للطرفين.”
الحاج عبد الحميد حس بحسم محمود، وعرف إن الراجل كرامته اتوجعت بزيادة، فقال بنبرة فيها أسف: “خلاص يا بني، طالما ده قرارك الأخير وأنت مش مرتاح، أنا مش هضغط عليك أكتر من كده. إحنا برضه نشتري راجل، وطالما النفوس مش صافية، يبقى الفركشة بالمعروف أحسن. أبوك كلمني وهيعدي عليا بكرة، وحاجتكم هتوصلكم كاملة ومعاها كل احترام وتقدير لبيتكم.”
محمود قال: “تسلم يا حاج عبد الحميد، وتعيش وتفضل كبير لأصولك.”
قفل محمود المكالمة، وحس إن في جزء من قلبه اتقطع، بس عقله كان مرتاح. قعد على مكتبه، وبدأ يراجع حساباته لشغله، ويحاول يرمي كل اللي حصل ورا ظهره ويقنع نفسه إن ربنا شايلّه الأحسن.
مر يومين، وأبو محمود كلمّه وبلّغه إنهم راحوا وقابلوا الحاج عبد الحميد، واستلموا الشبكة وكل الهدايا اللي محمود كان جايبها بالأصول، والموضوع انتهى رسمياً من غير أي خناق أو قلة قيمة، احترماً للراجل الكبير اللي دخل في الموضوع.
محمود بدأ يرجع لروتين حياته الطبيعي، الشغل من الصبح للمغرب، والجمعة بينام أو بيقعد مع صحابه في السكن. افتكر إن العيد خلص، والضغط خف، وبدأ ينسى تدريجياً… أو كده كان فاكر.
بعد أسبوعين من الموضوع، محمود كان قاعد في كافيه قريّب من سكنه مع صاحبه مصطفى، اللي شغال معاه في نفس الشركة. مصطفى كان باصص في تليفونه وفجأة ملامح وشه اتغيرت، وبص لمحمود بنظرة غريبة فيها شك وشفقة.
