المطبخ حكايات روماني مكرم ج 1

أما زوجي، فكان يقف حائرًا، تائهًا بين نظرات العتاب في عيني، وبين رغبته في إرضاء والدته وعدم إحراجها أمام الناس، حتى أصبح يتهرب من التواجد في البيت قبل المغرب، ويدخل مطأطأ الرأس مع الأذان.
في اليوم الخامس، وبعد رحيل عزومة ضخمة ضمت عمّات زوجي وبناتهن، جلست على أرضية المطبخ أجهش بالبكاء من شدة التعب والإرهاق الجسدي والنفسي. كان زوجي قد نزل ليشتري بعض المستلزمات لغدٍ بناءً على أوامر صارمة من والدته التي غادرت قبل قليل.
فجأة، تذكرت أن حماتي نسيت عباءتها الإضافية وحقيبتها الصغيرة في غرفة الصالون. قمت بتثاقل لأجمعهما، وفي تلك اللحظة سمعت صوت رنين هاتف ينبعث من داخل حقيبتها.. لقد نسيت هاتفها المحمول أيضًا!
كان الهاتف يرن بإلحاح، اقتربت ووجدت الاسم المكتوب على الشاشة: “أم فهد”.
لم أكن لأرد لولا أن الخط انقطع ثم عاد ليرن فورًا. ظننت أن هناك أمرًا طارئًا، فضغطت على زر الرد، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، جاءني صوت “أم فهد” الحاد والمليء بالشماتة والضحك:
– أيوة يا أم ممدوح! طمنيني، إيه الأخبار؟ لسه البت مقطومة في المطبخ وماتعرفش حاجة؟ ورقتيها في العزومات زي ما اتفقنا؟
تسمّرت في مكاني، وأنفاسي انقطعت تمامًا. لم أرد، ووضعت يدي على فمي لأكتم أي صوت، بينما واصلت “أم فهد” حديثها دون أن تنتظر ردًا:
– يا شاطرة يا أم ممدوح، اطبخيها صح.. كل ما تزنقيها في مصاريف العزومات، وتخلي ابنك يستلف من طوب الأرض عشان يكفي البيت، كل ما هيطلب البيع أسرع. أنا كلمت المشتري وقاللي إنه جاهز يدفع كاش في الشقة أول ما ممدوح يوافق، وعمولتك وعمولتي محفوظة.. ده قرشين يرقصوا القلب! اخلصي من الشقة دي وخدي ابنك يعيش معاكي في بيت العيلة، وخليه يطلق البت دي اللي مش عاجباكي، ونصلحه على بنتي هند زي ما كنا راسمين.
وقعت الكلمات على مسامعي كالصواعق المتتالية.
الشقة؟ يبيعوا الشقة؟
هذه الشقة التي دفع فيها والدي نصف ثمنها كمساعدة لزوجي، وكتبنا عقدها مناصفة بيني وبين ممدوح!
فهمت كل شيء في ثوانٍ معدودة. حماتي لم تكن تأتي بالطعام والضيوف حُبًا في الكرم أو صلة الرحم، بل كانت خطة مدبرة لإنهاك ممدوح ماديًا، وإغراقه في الديون بمساعدة هذه السمسارة “أم فهد”، ليضطر تحت ضغط الحاجة والديون والالتزامات إلى بيع الشقة التي يسيل لها لعاب حماتي منذ البداية، طمعًا في المال وتدميرًا لبيتي لإعادة زوجي تحت جناحها وتزويجه من ابنة صديقتها.
تراجعت إلى الخلف، وأغلقت الخط بسرعة قبل أن تكتشف أنني المستمعة. وضعت الهاتف مكانها وجسدي كله ينتفض من الصدمة والغضب.
سمعت صوت مفاتيح زوجي تفتح الباب الخارجي. دخل وهو يحمل أكياسًا جديدة بالدين من سوبر ماركت المنطقة، ووجهه يشع همًا وغمًا. نظر إليّ وقال بصوت مجهد:
– جهزي نفسك يا حبيبتي، أمي اتصلت بيا من الطريق وقالت إن بكرة جايين عمامي وولادهم.. حوالي اتناشر واحد.
