اماني سيد ج 1
لميت هدومي وهدوم ولادي والدموع نازلة من عيني مغرقاني، مكنتش شايفة قدامي بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إني مش هقعد في البيت ده ولا دقيقة تانية، وإني مش هبقى الست اللي على الرف تاني أبداً.
روحت لبيت أهلي، وأول ما أمي فتحت لي الباب وشافت منظري والشنط في إيدي، اتخضت. دخلت وأنا منهارة، قعدت وسطهم وحكيت لهم كل حاجة من طقطق لسلام عليكم.. حكيت عن خروجاته وعزامته لأهله ومنعي، وعن صدمة العمرة ومرات أخوه، ولحد السفرية الأخيرة اللي سابني فيها وخرج يغير جو مع إخواته وبنات خالتهم ورفض ياخدني.
أبويا كان بيسمعني وهو ساكت تماماً، بس عروق وشة كانت بارزة وعينه بتطق شرار من كتر الغضب على كرامة بنته اللي اتهانت. أول ما خلصت كلامي، بص لي وقال لي بنبرة حاسمة وهادية تخوف: “أنتي تعرفي يا فرح هما سافروا فين بالظبط؟”
هزيت رأسي وقلت له: “أيوة يا بابا، سمعته بالصدفة وهو بيتفق معاهم في التليفون على شاليه في (…).”
أبويا وقف فجأة وبص لإخواتي الصبيان وقال: “مفيش بنوتة من بناتي تِتْقهر ولا تِترمي على الرف.. اجهزي يا فرح أنتي وأمك وإخواتك، كلنا هنجهز شنطنا وحالاً هنطلع على نفس المكان اللي هو فيه. المرة دي مفيش استغماية، والوجع اللي عاش في قلبك هيرد له في عينه قدام أهله كلهم.”
في الأول اذهلت من رد فعل بابا، بس حسيت بنار جوايا بدأت تبرد وبكرامتي بترجع لي. جهزنا كلنا وركبنا العربيات، وطول الطريق وأنا قلبي بيدق، مش خوف، لكن مستنية لحظة المواجهة الكبرى.
وصلنا المكان، وعرفنا الشاليه اللي هما فيه، ولمحناهم من بعيد.. كانوا قاعدين كلهم في الجنينة والمطبخ المفتوح بيضحكوا ويهزروا، وإبراهيم قاعد في وسطهم رايق وفرحان ولا على باله إنه ساب وراه قلب مكسور.
مشيت ورا بابا وإخواتي وإحنا داخلين عليهم فجأة. أول ما رجلي خطت المكان وعينه جت في عيني، الضحكة اختفت من على وشه تماماً، وملامحه اتقبضت وبلم مكانه، والـ “كوباية” اللي كانت في إيده بغباء كانت هتقع منها! بص لـ بابا وبص لي وهو مش قادر يستوعب الصدمة، كأنه شايف شبح.. ومبقاش عارف ينطق ولا يقول إيه بعد ما اتقفش في كذبته الكبيرة.
أبويا وقف بكل هيبة، وبص لإبراهيم ونظراته كفيلة تخليه يبلع ريقه من الخوف. في اللحظة دي، الهدوء اللي كان مسيطر على قعدة أهله اتقلب لـ هرج ومرج. كلهم بدأوا ياخدوا بالهم من ملامح إبراهيم اللي اتخطفت ونظراته اللي رايحة جاية في الأرض ومش قادر يثبتها في عين أبويا ولا في عيني.
حماتي وبنات خالته وقفوا مكانهم، وعيونهم مبرقة من المفاجأة.. الصدمة كانت ملجمة الكل، ومكنش حد فيهم مستوعب إزاي فرح، الست اللي دايماً متدارية وعلى الرف، واقفة قدامهم بكامل قهرها وعزوتها وراها!
عمي (أبو إبراهيم) قرب عليه وبص له بذهول وسأله بصوت واطي بس مسموع للكل: “إيه ده يا إبراهيم؟ أنت كنت تعرف إن فرح جاية ورا الباب؟ هما لحقوا يجوا وراك إزاي؟”
