مساج للعضم ج 1 حكـايات زهرة الربيع

سندت ضهري على سيراميك الحمام الساقع، والنفس طالع مني بالعافية.. مروة كانت واقفة قدامي، وشها خالي من أي نقطة دم، وعينيها فيها نظرة رعب عمري ما شفتها في حياتي.. مسكت كتفي الاتنين وضغطت عليهم جامد وهي بتقولي بصوت واطي ومبحوح كأنه طالع من سرداب:
“جوزك مش بيظبطلك عضمك يا نورا.. جوزك بيبوظلك حوضك وعضلاتك عشان تفضلي عاقر طول عمرك وماتخلفيش!”
الكلمة نزلت على ودني زي الصاعقة.. حسيت إن السقف بيلف بيا، والمكان كله بيموج.. ضحكت ضحكة بلهاء، ضحكة خوف وعدم استيعاب:
“إيه اللي أنتي بتقوليه ده يا مروة؟ أنتي اتجننتي؟ أحمد؟ أحمد اللي بيموت في التراب اللي بمشي عليه؟ أنتي عارفة هو بيحبني قد إيه؟ ده مبيفوتش أسبوع من سبع سنين إلا لما…”
“إلا لما يكسر فيكي حتة!” مروة قاطعتني وزعقت بصوت مكتوم وهي بتنهج: “افهمي يا غبية! الحركة اللي بتوصفيها دي، والضغط على نقط معينة في الحوض لدرجة تسمعي صوت ‘تكة’، دي مش مساج ولا ‘طقطقة’ عادية! دي حركة بتتعمل في كيروبراكتيك الغرب بطرق معينة لعلاج حالات نادرة، بس لما تتعمل كل أسبوع، بانتظام، وعلى مدار سبع سنين، ومن غير سبب طبي.. دي بتعمل حاجة اسمها ‘خلع جزئي مزمن’ وارتخاء في أربطة الحوض وتشويه في زاوية الرحم وعنق الرحم!”
مسكت راسي بإيديا الاتنين، دموعي نزلت فجأة ومن غير إرادة.. ذكريات السبع سنين بدأت تمر قدام عيني زي شريط سينما سريع.. نظرات حماتي.. شوربة الكوارع.. “تفتيح الحوض ده ممتاز”.. “البطن تشيل بالثلاثة والأربعة”.. الكلام كان بيرن في ودني وبيتفسر في عقلي بطريقة تانية خالص.. طريقة مرعبة.
مروة كملت وهي بتمسح دموعي اللي غرقت وشي: “نورا.. أنتي مش بقالك سبع سنين متجوزة وبتلفوا على الدكاترة وكلهم بيقولوا مفيش سبب واضح لتأخر الخلفة؟ مش كل التحاليل بتاعتك وبتاعته بتطلع سليمة؟”
هزيت راسي وأنا برتعش: “آه.. كله بيقول سحر.. حسد.. عدم توافق.. بس مفيش عيب طبي.”
“عشان العيب الطبي هو بيصنعه بإيديه كل يوم جمعة!” مروة زعقت وهي بتضغط على إيدي: “الضغط المستمر ده بيخلي الرحم في وضعية مقلوبة ومستحيل يستقبل حيوانات منوية أو يثبت فيه جنين.. الصوت اللي بتسمعيه ده هو صوت الأربطة وهي بتتطوح من مكانها.. والتنميل المريح اللي بتحسيه بعد الجلسة؟ ده مش راحة يا نورا.. ده تخدير مؤقت للأعصاب نتيجة الضغط العنيف عليها.. جوزك دارس الحركة دي كويس، أو حد قايله عليها بالملي!”
وقعت على أرضية الحمام.. السيراميك الساقع كان بيرد في جسمي كله، بس قلبي كان أسقع.. افتكرت نظرة أحمد.. طيبته.. حنيته.. خوفه عليا.. لما كنت بعيط عشان نفسي في عيل، كان ياخدني في حضنه ويقولي: “أنتي عندي بالدنيا يا نورا، مش عايز عيال، أنا عايزك أنتي وبس”.. كنت بشوفه ملاك! طلع شيطان؟ طلع بيغفلني؟
مروة قعدت في الأرض جنبي واحتضنتني: “نورا.. لازم تجمدي.. إحنا لازم نتأكد الأول.. بكرا السبت، العيادة بتاعتي مقفولة بس أنا هفتحها مخصوص عشانك.. هجيب دكتور أشعة زميلي ثقة، وهنعملك أشعة رنين مغناطيسي (MRI) وأشعة بالصبغة على الحوض والرحم ونشوف الوضع إيه.. لو كلامي صح.. الحوض عندك هيبقى مشوه والرحم ملووح بطريقة متخيلهاش.. ساعتها لازم تواجهي الكابوس ده.”
مش فاكرة بقية اليوم عدا إزاي.. رجعت لصحابي في الصالة ووشي أصفر زي الليمونة.. حاولت أبتسم وأجاري ضحكهم بس صوت مروة كان زي الشاكوش في دماغي.. لما أحمد جه ياخدني، ووقفت قدام عربيتة، حسيت لأول مرة إني خايفة منه.. الخوف كان بيجري في عروقي زي السم..
فتحلي الباب وابتسم نفس الابتسامة اللي كنت بدوب فيها: “نورتي يا حبيبتي.. اتبسطتي مع صحابك؟”
بلعت ريقي بالعافية وبصيت الناحية التانية: “الحمد لله يا أحمد.. تعبانة شوية وعايزة أنام.”
حط إيده على ركبتي بحنان.. جسمي انتفض واتقشعر كأن حية لمستني.. لاحظ هو ده وسألني بقلق: “مالك يا نورا؟ جسمك ساقع ليه؟ أنتي تعبانة؟”
“لأ.. شوية برد بس من التكييف في المطعم.”
طول الطريق كنت ببص من الشباك والدموع محبوسة في عيني.. وصلنا البيت، ودخلت نمت فوراً، أو عملت نفسي نايمة.. أحمد دخل ورايا، غير هدومه وقعد على السرير، وجاب زيت اللافندر اللي بيحبه.. وقرب مني: “نورا.. لو حاسة ببرد أو ضهرك قفش من قعدة المطعم، أعملك جلسة سريعة تفكك؟”
الكلمة خلت قلبي يقف.. اتديرت بسرعة وقولت بصوت متقطع: “لأ! لأ يا أحمد.. أنا عايزة أنام بس.. مش قادرة.. سيبني ارتاح.”
بصلي باستغراب.. نظرة فاحصة، ذكية، ريبتني.. بس ابتسم وقال: “ماشي يا حبيبتي.. ارتاحي.”
تاني يوم الصبح.. سبت أحمد نايم ونزلت بحجة إني رايحة أشتري طلبات للبيت.. روحت على عيادة مروة.. كانت مستنياني هي ودكتور الأشعة..
دخلت الأوضة.. نمت على جهاز الأشعة.. الجهاز كان بيطلع أصوات عالية ومزعجة، بس مكنتش أعلى من صوت ضربات قلبي.. كنت بدعي ربنا تطلع مروة غلطانة.. بدعي تطلع بتخرف وتكون غيرانة مني ومن حنية جوزي.. يارب اكون بحلم.. يارب أحمد يطلع بريء.
بعد ساعة.. قعدت في مكتب مروة.. الدكتور زميلها كان ماسك الأفلام بتاعة الأشعة وشه مقلوب تماماً.. بص لمروة وهز راسه بأسف، وبعدين بصلي وقال:
“مدام نورا.. أنا مش عارف أقولك إيه.. بس الحوض عندك فيه حالة غريبة جداً.. مفيش أي كسر أو حادثة قديمة، بس الأربطة المحيطة بعظام الحوض مرتخية بشكل مرعب، وعضام الحوض ‘مفتوحة’ ومبعدة عن مسارها الطبيعي بشكل مشوه.. ده مأثر على زاوية الرحم وعنق الرحم وخلاهم متشفيرن لورا تماماً في وضع مستحيل يحصل معاه إخصاب.. الحالة دي متحصلش إلا لو فيه ضغط ميكانيكي خارجي، عنيف ومستمر، بيتعمل بقاله سنين وبشكل دوري.”
الدنيا اسودت في عيني.. مروة مسكت إيدي وهي بتعيط.. الدكتور كمل بذهول: “الغريب إن اللي بيعمل كده عارف هو بيعمل إيه بالظبط.. بيضغط لحد تكة معينة عشان يعمل الارتخاء ده من غير ما يكسر العضمة.. ده تعذيب ممنهج يا مدام نورا! أنتي لو استمريتي على الوضع ده سنة كمان، مش بس مش هتخلفي.. أنتي كمان كام سنة مش هتعرفي تمشي على رجليكي!”
خرجت من العيادة زي المجنونة.. مبقتش شايفة قدامي.. السبع سنين كلهم اتقلبوا لخدعة كبيرة.. الحنان كان سم.. والاهتمام كان فخ.. وأنا كنت الضحية الغبية اللي بتسلم نفسها للجلاد كل جمعة وهي بتشكر فيه!
ركبت تاكسي وروحت على البيت.. عقلي كان شغال زي المكنة.. ليه؟ ليه أحمد يعمل فيا كده؟ وهو بيموت فيا؟ وليه حماتي كانت فرحانة وبتقول “العضم لما يفتح الولادة هتبقى سهلة والبطن تشيل بالثلاثة والأربعة”؟
فجأة.. الكلمة نورت في دماغي.. البطن تشيل بالثلاثة والأربعة.. حماتي عارفة! حماتي هي اللي خططت وأحمد هو اللي نفذ! بس ليه؟ هما مش عايزين عيال؟ ولا مش عايزين عيال مني أنا؟
دخلت الشقة.. مكنش فيه حد.. أحمد كان خرج يشتري حاجة.. قعدت في الصالة وجسمي كله بيرتعش.. فجأة عيني جت على أوضة حماتي.. “الحاجة أم أحمد” اللي ساكنة معانا في الشقة اللي قصادنا ومعاها مفتاح شقتنا وبتدخل في أي وقت..
قمت ورجلي بتتحرك لوحدها.. دخلت أوضتها.. بدأت أدور في حاجتها.. في أدراجها.. زي المجنونة بقلب كل حاجة.. كنت دايماً بقول دي ست بركة وبتحبني.. فتحت الدولاب بتاعها، وبدأت أنبش في الهدوم.. لحد ما إيدي خبطت في علبة قطيفة قديمة تحت الهدوم الشتوي..
فتحت العلبة.. لقيت فيها ورق قديم.. شهادات ميلاد.. وعقد.. ودفتر صغير مكتوب بخط الإيد..
فتحت الدفتر.. كان خط حماتي.. كلام قديم من سنين.. بدأت أقرأ والدم بيتجمد في عروقي:
“البت نورا حوضها ضيق زي أمها.. لو حملت هتتعب والولد ممكن يموت زي ما أخو أحمد مات وهو بيتولد.. أنا مش هخاطر بابن ابني.. أحمد لازم يتجوز واحدة حوضها واسع تشيل وتجيب عيال زي الرز.. بس أحمد بيحب نورا ومش هيوافق يطلقها.. الحل إننا نربطها من غير ما تحس.. الحركة دي اتعلمتها من الداية القديمة في البلد.. تفتيح الحوض بالضغط بيخلي الرحم يقلب ومفيش عيل يثبت.. وأحمد هيعملها بحجة المساج.. ولما السنين تعدي والبت متخلفش، أحمد نفسه هيزهق ويوافق يتجوز عليها اللي تجيب الود الصالح.. ونورا تفضل معانا خدامة تحت رجلينا ومتقدرش تمشي وتسيب ابني عشان بتحبه!”
الورقة وقعت من إيدي.. دموعي وقفت.. حسيت بكتلة نار بتولع في صدري.. الغدر مكنش من أحمد بس.. الغدر كان مؤامرة عائلية قذرة.. هما دمروا صحتي، ودمروا أمومتي، وسرقوا سبع سنين من عمري.. عشان في الآخر يرموني ويتجوز عليا!
في اللحظة دي.. سمعت صوت باب الشقة بيتفتح..
وصوت أحمد وهو بينادي بحنان: “نورا.. يا حبيبتي أنتي جيتي؟ أنا جبتلك الأكل اللي بتحبيه.. نورا أنتي فين؟”
سمعت خطواته بتقرب من الأوضة.. وباب الأوضة بدأ يتفتح براحة.. ونظرتي اتحولت لكتلة من الغل والشر المنتقم..

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *