دور كورونا ج 1 حكـايات امـاني سيـد

سكتت مرام وخرجت، وأنا فضلت قاعدة في الأوضة، قلبي بيدق بسرعة من الخوف لا تكون شكت في حاجة، أو تكون بدأت تربط الخيوط ببعضها. السخونية كانت بتزيد، وجسمي بقى متلج، بس مكنتش قادرة أتنفس كويس، والكحة بقت تطلع مكتومة زي سكاكين في صدري. قعدت أقول لنفسي: “ماتخافيش يا ولية، دي كلها كام يوم وتعدي، وهي مرام هتعمل إيه يعني؟ لو عرفت، أنا كدة كدة في بيتي، ده بيت ابني اللي شقيان فيه، مش بيت غريب.”

عدى يومين كمان، وكنت بحاول أتقّل في اللبس وأداري وشي الشاحب، بس جسمي كان بيخذلني. مرام كانت بتدخل وتخرج بهدوء، ملامحها اتغيرت خالص، الابتسامة اختفت، وبقت حركتها ميكانيكية، بتقدم الأكل والخدمة واجب وبس، وعينيها دايماً في الأرض، وكأنها بتهرب من نظراتي. كانت بتدخل العيال الأوضة التانية، وبقيت أسمع صوت كحتها هي والعيال من بعيد، وجسمي بيشيط من القلق.. يا ترى دي صدفة؟ ولا أكون بجد عديتهم وأنا مش دارية؟

في يوم، لقيت مرام دخلت ومعاها تليفونها، وشها كان ميت، وعنيها محمرة. وقفت بعيد عني، وممسكتش إيدي زي عادتها، وقالت بصوت مكسور ورجفة واضحة:

ـ “يا ماما.. أنا مش هسأل تاني عن موضوع الدكتور، ولا هجادل في موضوع الخدمة. أنا الصبح صحيت لقيت ابني الصغير حرارته عالية جداً، وجوز أختي كلمني وقالي إنهم اكتشفوا إنها كورونا.. وأنا.. أنا جسمي كله مكسر ومبقتش قادرة أقف على رجلي.”

حسيت ببرودة سريت في جسمي، والسخونية اللي كانت في راسي نزلت على قلبي. حاولت أتماسك، وأبين إني مستغربة، قلت بصوت مبحوح:

ـ “كورونا؟ يا ساتر يا رب.. طب وأنا مالي يا بنتي؟ هو أنا اللي جبت لكم العدوى؟ أنا جاية بقالي فترة طويلة، والناس بتخرج وتدخل، أكيد لقطتوها من بره.. ده مرض منتشر والكل بيخاف منه.”

مرام بصت لي بصه عمري ما هنساها، نظرة عتاب ممزوجة بكسرة نفس، وقالت لي بصوت واطي وموجوع:

ـ “مش مهم مين السبب يا ماما.. المهم إننا كلنا دلوقتي بنحارب. أنا مش قادرة أخدمك ولا أخدم نفسي ولا العيال، ومش قادرة حتى أرفع سماعة التليفون أكلم حد يلحقنا، لأن البيت كله بقى محجوز. يا ريتك كنتِ قلتي من الأول.. كان زماننا أخدنا احتياطاتنا، أو حتى عرفنا نتصرف، مش نفضل مقفول علينا وأنا فاكرة إنه برد عادي وأتعامل معاكي بكل طيبة.”

سكتت خالص، مكنتش عارفة أرد أقول إيه. الجبروت اللي كنت بتكلم بيه عن “فلوس ابني وشقاه” و”حقي في البيت” بدأ يتهز قدام المنظر ده. مرام سابتني وخرجت وهي بتسند على الحيطة، وسمعتها بتقع في الصالة. حاولت أقوم، بس رجلي مكنتش شايلاني، ووقعت على الكرسي و

قعدت لوحدي في الأوضة، والبيت كان صمت رهيب، مفيش غير صوت أنفاسي العالية وكحة العيال اللي بتبعد وتقرب. لأول مرة في حياتي حسيت إن الفلوس والبيت وشقى ابني في الغربة ملهومش قيمة قدام “الستر” والصحة اللي ضيعتها بأنيتي. كنت فاكرة إني “صاحبة حق”، بس طلعت بخسارة كبيرة.. أنا اللي جبت المرض لبيت ابني، وأنا اللي خليت مرام، اللي شايلاني بقالي أسبوع، تقع هي وعيالها بسببي. قعدت أعيط، ولأول مرة، مكنتش بعيط على نفسي، كنت بعيط على “الخدمة” اللي مرام كانت بتقدمها لي بحب، وأنا قابلتها بجحود، وفي الآخر كافأتها بمرض يهد حيلها هي وعيالها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *