جالى دور كرونا خوفت على بناتى يتعدوا لو جم عشان يقعدوا معايا فقررت انى اروح اقعد مع مرات ابنى لانى لو قولتلها تعالى هترفض وهتقولى العيال وكده كده ابنى مسافر وبيبعتلها فلوس يعنى هقعد عندها من خير ابنى المهم جيت على نفسى واخدت بعضى وروحتلها شقتها وخبطت الباب لاقتها فتحت وكانت لابسه عشان خارجه لما شافتنى تعبانه بصتلى بقلق وسالتنى ـ مالك يا ماما فى ايه مرضتش اقولها انى عندى كرونا خفت تخاف تتعامل معايا وانا بصراحه محتاجه اللى يخدمنى قلت لها وأنا بنهج وساندة نفسي على الحيطة: “مفيش يا بنتي، شوية برد شداد بس ومكسرين عضامي، ولقيت نفسي لوحدي في الشقة ومقَدِرتش أقف على رجلي، قلت أجي أقعد معاكي يومين تخدميني فيهم لحد ما أفوق.. هو إنتِ كنتِ خارجة ولا إيه؟” بصت لي يمين وشمال، وكنت شامة ريحة البرفان بتاعها لآخر الممر، وشايفاها مجهزة الشنطة في إيدها. ملامحها اتغيرت والابتسامة الهادية اللي كانت على وشها اختفت وبقى مكانها علامات قلق وتوتر باينين زي الشمس. لوت بوزها لثانية كدة وحطت الشنطة على التربيزة اللي ورا الباب وقالت بنبرة فيها حيرة ولخبطة: ـ “يا خبر يا ماما.. سلامتك ألف سلامة.. بس يعني.. أنا كنت رايحة لماما تعبانة شوية وكانوا مستنييني هناك، والولاد لبسوا خلاص.. طب كنتِ رنيتي عليا قبل ما تيجي المشوار ده وإنتِ تعبانة كدة!” كلامها ضايقني وحز في نفسي قوي. “ترن عليا؟” بقى أنا أدخل بيت ابني بإذن؟ ده ابني اللي شقيان ومسافر وبيبعت لها القرشين دول من خيره، يعني الشقة دي والخير ده كله بسببه! دخلت من جنبها وأنا بجر رجلي بالعافية، وقعدت على أول كرسية قابلتني في الصالة وقلت لها بنبرة زعل عاتبتها بيها: ـ “جرى إيه يا مرام؟ هو أنا غريبة عشان أرن وأخد إذن؟ أنا جاية بيت ابني يا بنتي، وبعدين أمك ربنا يشفيها عندها اللي يخدمها، إنما أنا مليش حد دلوقتي، وبناتي خفت عليهم يتعدوا مني لأن مناعتهم ضعيفة ومش حمل بهدلة.” هي سكتت خالص، وبصت للأرض وهي بتفرك في إيدها، والولاد طلعوا جري من جوة فرحانين تيتة جت، بس أنا كنت خايفة أقرب منهم أو أبوسهم عشان موضوع الكورونا ده.. فزقيتهم براحة وقلت لهم: “اوعوا يا حبايب تيتة عشان أنا عيانة وبكح.” خرجت مرام من الأوضة بعد كام دقيقة، ووشها مفيش فيه أي ضيق، بالعكس، كانت ملامحها كلها حنان ولهفة حقيقية. قفلت تليفونها وحطته في جيبها، وقربت مني وهي بتاخدني في حضنها براحة وتقول بخوف حقيقي عليا: ـ “خلاص يا ماما، ولا تشيلي هم أبداً.. أنا كلمت أختي هتروح هي لماما، وأنا هقعد تحت رجلك هنا.. إنتِ بركتنا يا حبيبتي، المهم نطمن عليكي.” رغم طيبتها دي كلها، أنا جحدت قلبي وقلت في بالي: “أهو كدة كدة غصب عنها لازم تقعد، هو إحنا كنا هنلاقي اللقمة والخدمة دي لولا بيت ابني وشقاه؟” دخلت مرام الأوضة مع الولاد عشان تغير لهم، وكنت سامعاها وهي بتراضيهم بكلام حلو وبتقول لهم: “معلش يا حبايب ماما، تيتة تعبانة ولازم نقعد نخدمها، ربنا يخليها لينا.” أنا اتمددت على الكنبة بتعب، وجسمي كله كان بيغلي من السخونية، بس كنت بكتم الكحة بالعافية وبحاول مظهرش أي أعراض تخليها تشك إنها كورونا.. خفت لتخاف على العيال وتخليني أمشي، وأنا محتاجة اللقمة والخدمة ومقْدِرتش أقعد لوحدي. بعد شوية، خرجت مرام وهي لابسة عباية بيتي مريحة، وشها بيضحك ونفسها راضية، وقربت مني غطتني باللحاف كويس وهي بتقول: ـ “ألف سلامة على غالينا يا ماما.. هعملك حالا ليمون دافي يظبط الصدر، وهدخل المطبخ أعملك شوربة لسان عصفور وفراخ بلدي ترم عضمك.. ثواني والحاجة تكون عندك.” عدلت نفسي وسندت ضهري على المخدة، وبصيت في الشقة يمين وشمال، وقلت لها بنبرة فيها تلقيح كلام وضيق: ـ “ياريت يا بنتي.. ربنا يخليلي ابني اللي مأمنّا ومأمن بيته.. لولا شقاه وسفره في الغربة والقرشين اللي بيبعتهم أول بأول والخير اللي هو مدققه في الشقة دي، مكنتش عرفت أجي في تعبي ولا ألاقي لقمة نضيفة آكلها.. ربنا يخليهولي ويفضل البيت ده دايماً مفتوح بحسه وبفلوسه وخيره.” في يوم، دخلت عليا الأوضة وهي ماسكة كوباية ينسون، وبصت في وشي بقلق حقيقي وقعدت جمبي على السرير وحطت إيدها على قورتي وقالت لي بخوف: ـ “ماما.. إنتِ بقالك أسبوع على الوضع ده، والبرد مش عايز يروح، وجسمك لسه دافي والنهجان ده مش عاجبني.. أنا كدة هقلق عليكي بجد. البسي يلا وأنا هطلب تاكسي وننزل نروح لأقرب دكتور يكشف عليكي ويطمننا، كدة غلط يا حبيبتي.” أنا اتنفضت من مكاني وخفت خوف مش طبيعي، وسحبت إيدي منها بسرعة وقلت بنبرة فيها حدة وعصبية عشان أداري لجلجتي وخوفي ليتكشف مستوري: ـ “دكتور إيه يا بنتي وبتاع إيه؟ أنا ماليش في الدكاترة ومحبش الروحة والمجية بتاعتهم.. هو شوية برد وعايزين وقت وهيعدوا، سيبيني في حالي.” مرام اتفاجئت من رد فعلي وقالت بقلة حيلة ونبرة كلها رجاء: ـ “يا ماما عشان خاطري، إحنا بقالنا أسبوع، مفيش برد بيقعد كدة من غير ما يخف، نطمن بس عشان نكتبلك علاج صح.” لقيت نفسي بزعق فيها وقلت بوجع ولؤم عشان أقفل السيرة خالص وأفكرها بمكانتها: ـ “قلت لك لأ يعني لأ! أنا حرة في جسمي، وبعدين إنتِ مالك زعلانة قوي كدة ومستكتراني في السرير؟ متقعديش تزنّي على دماغي، إنتِ هنا عشان تخدميني وبس من خير ابني وفلوسه اللي بيبعتهالك.. يعني ده واجبك ومجبرة عليه ومش بتجامليني، فريحي نفسك واعملي اللي بقولك عليه من غير كتر كلام!” سكتت مرام وبصت لي بذهول وحزن رهيب من كلامي وقسوتي عليها، ودموعها لمعت في عينيها لأنها بتعمل كدة بود، قامت خدت الكوباية وخرجت من الأوضة وهي ساكتة ومكسورة الخاطر. أنا قعدت على السرير وأنفاسي سريعة وحاطة إيدي على قلبي، وبقيت أقول لنفسي: “أروح لدكتور إيه بس؟ ده أنا لو روحت وطلب مني مسحة ولا قالي دي كورونا، مرام هتعرف.. ولو عرفت ومكتشفتش دلوقتي هتاخد بالها إنها ممكن تكون اتعدت مني هي ولا العيال طول الأسبوع اللي فات ده من غير ما تحس.. ووقتها هتقلب عليا وتقولي إنتي السبب وإنتي اللي جبتي لنا المرض لحد بيتنا ونقلتِ لنا العدوى.. لأ، يموت الفأر في عبّه ومحدش يعرف بحاجة واهو أسبوع وعدى وهيعدي الباقي، وأنا كدة كدة قعدتي هنا بحق ابني وفلوسه”. سكتت مرام وخرجت، وأنا فضلت قاعدة في الأوضة، قلبي بيدق بسرعة من الخوف لا تكون شكت في حاجة، أو تكون بدأت تربط الخيوط ببعضها. السخونية كانت بتزيد، وجسمي بقى متلج، بس مكنتش قادرة أتنفس كويس، والكحة بقت تطلع مكتومة زي سكاكين في صدري. قعدت أقول لنفسي: “ماتخافيش يا ولية، دي كلها كام يوم وتعدي، وهي مرام هتعمل إيه يعني؟ لو عرفت، أنا كدة كدة في بيتي، ده بيت ابني اللي شقيان فيه، مش بيت غريب.” عدى يومين كمان، وكنت بحاول أتقّل في اللبس وأداري وشي الشاحب، بس جسمي كان بيخذلني. مرام كانت بتدخل وتخرج بهدوء، ملامحها اتغيرت خالص، الابتسامة اختفت، وبقت حركتها ميكانيكية، بتقدم الأكل والخدمة واجب وبس، وعينيها دايماً في الأرض، وكأنها بتهرب من نظراتي. كانت بتدخل العيال الأوضة التانية، وبقيت أسمع صوت كحتها هي والعيال من بعيد، وجسمي بيشيط من القلق.. يا ترى دي صدفة؟ ولا أكون بجد عديتهم وأنا مش دارية؟ في يوم، لقيت مرام دخلت ومعاها تليفونها، وشها كان ميت، وعنيها محمرة. وقفت بعيد عني، وممسكتش إيدي زي عادتها، وقالت بصوت مكسور ورجفة واضحة: ـ “يا ماما.. أنا مش هسأل تاني عن موضوع الدكتور، ولا هجادل في موضوع الخدمة. أنا الصبح صحيت لقيت ابني الصغير حرارته عالية جداً، وجوز أختي كلمني وقالي إنهم اكتشفوا إنها كورونا.. وأنا.. أنا جسمي كله مكسر ومبقتش قادرة أقف على رجلي.” حسيت ببرودة سريت في جسمي، والسخونية اللي كانت في راسي نزلت على قلبي. حاولت أتماسك، وأبين إني مستغربة، قلت بصوت مبحوح: ـ “كورونا؟ يا ساتر يا رب.. طب وأنا مالي يا بنتي؟ هو أنا اللي جبت لكم العدوى؟ أنا جاية بقالي فترة طويلة، والناس بتخرج وتدخل، أكيد لقطتوها من بره.. ده مرض منتشر والكل بيخاف منه.” مرام بصت لي بصه عمري ما هنساها، نظرة عتاب ممزوجة بكسرة نفس، وقالت لي بصوت واطي وموجوع: ـ “مش مهم مين السبب يا ماما.. المهم إننا كلنا دلوقتي بنحارب. أنا مش قادرة أخدمك ولا أخدم نفسي ولا العيال، ومش قادرة حتى أرفع سماعة التليفون أكلم حد يلحقنا، لأن البيت كله بقى محجوز. يا ريتك كنتِ قلتي من الأول.. كان زماننا أخدنا احتياطاتنا، أو حتى عرفنا نتصرف، مش نفضل مقفول علينا وأنا فاكرة إنه برد عادي وأتعامل معاكي بكل طيبة.” سكتت خالص، مكنتش عارفة أرد أقول إيه. الجبروت اللي كنت بتكلم بيه عن “فلوس ابني وشقاه” و”حقي في البيت” بدأ يتهز قدام المنظر ده. مرام سابتني وخرجت وهي بتسند على الحيطة، وسمعتها بتقع في الصالة. حاولت أقوم، بس رجلي مكنتش شايلاني، ووقعت على الكرسي و قعدت لوحدي في الأوضة، والبيت كان صمت رهيب، مفيش غير صوت أنفاسي العالية وكحة العيال اللي بتبعد وتقرب. لأول مرة في حياتي حسيت إن الفلوس والبيت وشقى ابني في الغربة ملهومش قيمة قدام “الستر” والصحة اللي ضيعتها بأنيتي. كنت فاكرة إني “صاحبة حق”، بس طلعت بخسارة كبيرة.. أنا اللي جبت المرض لبيت ابني، وأنا اللي خليت مرام، اللي شايلاني بقالي أسبوع، تقع هي وعيالها بسببي. قعدت أعيط، ولأول مرة، مكنتش بعيط على نفسي، كنت بعيط على “الخدمة” اللي مرام كانت بتقدمها لي بحب، وأنا قابلتها بجحود، وفي الآخر كافأتها بمرض يهد حيلها هي وعيالها.