مرات ابني ج 1 حكـايات رومـاني مكـرم
أول ما شقشَق نور الصبح، البيت صحي على هدوء غريب ومريب، الهدوء اللي بيسبق العاصفة الشديدة. محمود قام بتثاقل، لبس هدومه عشان يروح معمل التحاليل، ونزل المطبخ يشوف لقمة يأكلها قبل ما ينزل. لقى أمه واقفة بتعمل شاي، وبصتله بعينين كلها لوم وعتاب: “هتنزل من غير ما تكسر مناخيرها يا محمود؟ هتمشي وتسيبها تفتكر إنها غلبتنا بفلوسها؟” محمود نفخ بضيق وقال: “يا أمي سيبيني في اللي أنا فيه، دماغي هتنفجر، لما أرجع من الشغل هشوف هعمل إيه.”
في اللحظة دي، مروة نزلت من على السلم. كانت لابسة طقم الشغل بكامل أناقتها، حاطة ميكب خفيف، ووشها مفيش فيه أي أثر للدموع أو التعب، بالعكس، ملامحها كانت باردة وناشفة زي الحجر. دخلت المطبخ بخطوات واثقة، متجنبتش النظر ليهم، وبصت لمحمود وقالت بنبرة خالية من أي مشاعر: “محمود.. الفيزا كارد بتاعتي اللي كانت معاك عشان مصاريف البيت والطلبات، أنا وقفتها من الصبح. ومن بكرة، مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده من تعبي. مصاريف المدارس الإنترناشونال بتاعة ولادك، وقسط العربية اللي باسمك وأنا كنت بدفع نصه، والشغالة اللي بتيجي تساعد في ترويق الشقة.. كل ده اتمسح من أجندتي. شيل شيلتك يا ابن الحاجة فاطمة، وريني بقى رجولتك اللي اتهزت عشان عمرة أبويا وأمّي هتوكلك عيش إزاي.”
الحاجة فاطمة لوت بوزها وصوتت بصوت واطي: “سامع يا محمود؟ بتذلنا بقرشينها! بتلوي دراعك في بيتك!” محمود وشه جاب ألوان، الغضب عماه ونطق من غير ما يفكر: “أعلى ما في خيلك اركبيه يا مروة! فلوسك دي بليها واشربي ميتها، وولادي أنا أصرف عليهم من عرقي، والمدارس الغالية دي مش عاوزها، هحولهم مدارس حكومة، والقرش اللي كنتِ بتدفعيه بالمن والأذى، الله الغني عنه! وأقساطي هسدها لو هشتغل ليل مع نهار!”
مروة ابتسمت نفس الابتسامة الغامضة والمخيفة بتاعت بالليل، وقالت: “تمام.. المدارس هتحولها؟ وماله، روح حول لولادك ووريني شكلهم قدام زمايلهم هيبقى إيه. بس قبل ما تنزل، خد دي.” طلعت ورقة من شنطتها رمتها على الترابيزة. محمود مسك الورقة وبص فيها، لقاها إنذار رسمي من المحامي بدفع مؤخر الصداق وقيمة التلفيات والمصاغ اللي اتكتب في القايمة، ومطالبة بحقها الشgroupي في الشقة الفوقانية اللي هي مشاركة في تمنها بالنص وومعاها عقود تثبت ده.
مروة بصت لـ الحما وقالت: “البيت ده أنا دافعة في طوله وعرضه، والشقة الفوقانية دي تمنها نصه من شقايا في الغربة قبل ما أتجوز ابنك. لو محمود مش عاجبه القعدة معايا، يتفضل يطلقني ويديني حقي مليم ينطح مليم، أو يوريني هيعيش هنا إزاي وهو مديون لطوب الأرض.”
فاطمة صرخت: “إنتِ بتطردي ابني من بيته يا فاجرة؟ يا جاحَدة! ده بيت أبويا وأنا الكبيرة هنا!” مروة ردت ببرود قاتل وهي بتتفحص ضوافرها: “الكبيرة على نفسك يا حاجة فاطمة، مش عليا. أنا احترمتك كتير عشان خاطر ابنك، لكن لما تدخلي في مالي وشقايا وتسخني جوزي عليا وتسميني حيزبونة -وأنتِ فعلاً كده- يبقى مفيش احترام. ومن هنا ورايح، الأكل والشرب والخدمة والنور والمية.. كل حاجة بالنص. اللقمة اللي هتدخل بوق ولادي أنا دافعة تمنها، وإنتوا برة حساباتي.”
