وقف الحاج رشاد، خال حسام، وعلام,,ات الانكسار تكسو وجهه بعد أن كانت ملامحه تقطر غطرسة قبل دقائق. نظر إلى ضابط المباحث بقلة حيلة، ثم التفت إلى أمي ومد يده برجاء قائلًا: “يا حاجة سناء، يبوس إيدك بلاش توصل للمحاكم والحبس.. إحنا في الأول والآخر أهل، والشيطان دخل بيننا وعمى قلوبنا. فوزية ست كبيرة والستات التانيين في المستشفى متبهدلين، وحسام طيش شبابه عماه.. عشان خاطر ربنا وخاطر العيش والملح، بلاش المحضر ده ونحلها ودّي.” نظرت إليه أمي بعينين ضيقتين، ويدها لا تزال ممسكة بهاتفها الذي يضم “فيديو الفضيحة”. التفتتْ نحو الضابط وقالت بنبرة ذكية ومحسوبة: “يا سيادة الباشا، أنا ست بأعرف الأصول، والراجل الكبير ده بيتكلم بكلام عقل، بس أنا وبنتي اتهانّا في كرامتنا وفي بيتنا، والناس دي كانت جاية تخرب مش تصالح.” نظر الضابط إلى الطرفين وقال بحسم: “أنا قدامي محضرين، لو مش هتتصالحوا وِدي وتكتبوا إقرار بالتنازل، أنا هحيل المحضرين للنيابة الصبح، والكل هيبات في الحجز.. اتفضلوا برة المكتب اتوافقوا وتعالوا قولي القرار.” خرجنا جميعًا إلى طرقة القسم الخارجية. كان حسام يقف في الزاوية، يفرك يديه بعبث وعيناه زائغتان من الرعب، يرى مستقبله ووظيفته يضيعان في لحظة غباء. أما فوزية فكانت تجلس على كرسّيها المتحرك، مطأطأة الرأس، تخفي وجهها بملامح ذليلة بعد أن طار كبرياؤها في وحل الشارع وقسم الشرطة. اقترب الحاج رشاد من أمي وقال: “قولي شروطك يا حاجة سناء، وإحنا رقبتنا سدادة.. بس حسام وأمه ميباتوش في الحجز.” هنا، تقدمتُ أنا خطوة للأمام، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقي، ونظرت إلى حسام وقلت بصوت مسموع هز الطرقة: “شروطنا مبقتش شروط رجوع يا حاج رشاد.. حسام طلقني غيابي وكسر بخاطري، والنهاردة جاي يتبلى على أمي بالحبس. شروطنا هي شروط انفصال بالمعروف وبأعلى رأس.” التفتت أمي إليّ بابتسامة فخر، ثم نظرت للحاج رشاد وقالت: “بنتي قالت المفيد يا حاج رشاد.. حسام يطلق ندى طلقة بائنة عند المأذون بشكل رسمي، وحقها في القايمة يرجع مليم ينطح مليم من غير نقصان، ويدفع مؤخر الصداق والنفقة الشرعية كاش هنا في القسم قبل ما نمضي على التنازل.. وتعهد بعدم التعرض ليّا ولا لبنتي لا من قريب ولا من بعيد، وإلا الفيديو ده هيروح للنيابة ببلاغ جديد!” صاح حسام بصوت مخنوق: “القايمة والمؤخر كاش؟ أنتِ عارفة المبالغ دي كام يا حاجة سناء؟ دي تحويشة عمري وشقايا!” نظرت إليه أمي باحتقار وقالت: “دي شيلتك يا سي حسام، وإنت اللي شيلتها لنفسك لما سمعت كلام أمك وخالاتك وجيت تتبلطج على أسيادك.. قدامك نص ساعة، الفلوس تحضر هنا، أو تدخل تبات في التخشيبة وجنبك الحاجة فوزية.” توسل الحاج رشاد لحسام أن يصمت، وأخرج هاتفه وبدأ في إجراء اتصالات عاجلة بأقاربهم لتجميع المبلغ والمؤخر، بينما كانت فوزية تنظر إليّ بعيون تملأها الحسرة والندم، بعد أن أدركت أن عنادها ونكدها الموروث لم يجلب لها سوى الفضيحة، وخراب بيت ابنها، وفوق كل ذلك.. إفلاسه. مرت ساعتان ثقيلتان، حتى عاد الحاج رشاد ومعه حقيبة سوداء تحتوي على مستحقاتي كاملة، وتمت كتابة التنازل المتبادل أمام ضابط المباحث بعد أن وقع حسام على إقرار شرطي بعدم التعرض. خرجنا من قسم الشرطة مع أول خيوط الفجر، وأنا أشعر بحرية لم أشعر بها منذ سنوات. نظرت إلى أمي وقبلت يدها ورأسها وقلت: “ربنا ما يحرمني منك يا بلدوزر حياتي.. أنتِ رجعتيلي روحي.” قالت أمي وهي تطبطب على كتفي: “حقك رجع يا ندى، وراسك في السما.. بس الحكاية لسه مخلصتش.” نظرت إليها باستغراب: “مخلصتش إزاي يا ماما؟ مش خدنا حقوقنا وطلقني؟” ابتسمت أمي ابتسامة غامضة وقالت وهي تنظر إلى الشارع: “حسام خسر فلوسه وكرامته، وفوزية مش هتقعد ساكتة بعد كسر عينها.. والنوعية دي من الناس لما بتفلس وتتكسر، بتتحول لتعابين تلدغ في العتمة.. خلينا صاحيين للّي جاي!” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم مرت أسابيع على ليلة القسم الشهيرة. أصبحتُ رسميًا امرأة مطلقة طلقة بائنة، وحقوقي المادية كاملة في حوزتي بفضل ذكاء أمي وقوتها. عادت حياتنا إلى هدوئها الظاهري؛ أمي تباشر عملها في محل البقالة، وأنا بدأت أستعيد توازني النفسي وأفكر في مستقبلي بعيدًا عن حسام وأيامه المظل,,مة. لكن كلام أمي كان يرن في أذني كالنبوءة: *”النوعية دي من الناس لما بتفلس وتتكسر، بتتحول لتعابين تلدغ في العتمة”*. ولم يخب ظن الحاجة سناء أبداً. بدأ الأمر بنبرة خبيثة في المنطقة. كنا نمشي أنا وأمي في الشارع فنلاحظ نظرات غريبة من بعض الجيران، وهمسات تخفت بمجرد اقترابنا. لم نعر الأمر اهتمامًا في البداية، حتى دخلت علينا “أم أحمد”، جارتنا وصديقة أمي المقربة، وهي تلطم على ص,,درها وتقول بلهفة: “يا حاجة سناء! إلحقي.. الست فوزية وأخواتها مسبوش حتة في المنطقة إلا وقالوا فيها كلام يقطع السيرة! ماشيين يقولوا إن ندى اطلقت عشان قفشوا عليها حاجات مش تمام، وإن الفلوس اللي ختوها في القسم دي كانت ثمن سكوتهم عشان ميفضحوش البنت!” شعرت بالدم يتجمد في عروقي، وصحت بذهول: “حاجات مش تمام؟ أنا؟! ده أنا مكنتش بخرج من باب البيت إلا بإذن ابنها! حسبي الله ونعم الوكيل فيهم!” أمي لم تنفعل كالعادة، بل بردت ملامحها تمامًا كأنها كانت تتوقع هذه الدناءة. نظرت لأم أحمد وقالت بصوت هادئ: “وفوزية بتقول الكلام ده فين يا أم أحمد؟” ردت الجارة: “عند الخياطة، وفي السوق، وحسام ابنها قاعد على القهوة اللي على أول الشارع ورابط راسه ويقول للشباب أنا غسلت عاري وطردتها بشنطة هدومها والفلوس دي تعويض عشان ميتسج,,نوش!” وقفتُ وأنا أبكي بح,,رقة: “يا ماما هنعمل إيه؟ السمعة في منطقتنا زي عود الكبريت، لو ولع مبيطفيش.. حسام وأمه عايزين يدمروا مستقبلي عشان ينتقموا لفلوسهم وفضـ,ـيحتهم!” أمي وقفت، وعدلت عباءتها السوداء ببطء شديد، وقالت بنبرة تقطر دهاءً: “الضـ,ـرب في الوش خلاص مابقاش ينفع مع التعابين دي يا ندى.. هما لعبوا في السمعة؟ يبقوا دخلوا منطقتي وملعبي. اطلعي لمي لي شباب الحارة الجدعان يا أم أحمد.. وقوليلهم الحاجة سناء عايزاكم في خدمة رجولة.” ساعتان فقط، وكان صالون منزلنا يمتلئ بسبعة من كبار شباب المنطقة ورجالها، الذين يحترمون أمي ويقدرون مواقفها معهم. جلسوا وهم يستمعون لأمي وهي تقص عليهم ما قاله حسام وفوزية، وعرضت عليهم مجددًا الفيديوهات وإقرار عدم التعرض وصور الشيكات والمبالغ التي دفعها حسام كاش في القسم كتعويض ومستحقات شرعية. قال “كريم”، وهو شاب شهم ومسموع الكلمة في الحارة: “يا حاجة سناء، إحنا عارفين ندى وعارفين أدبها وأصلها، وحسام ده عيل ناقص هو وأمه.. قولي لنا نعمل معاهم إيه؟ نروح نكسر له القهوة اللي قاعد عليها؟” ابتسمت أمي وقالت: “لا يا كيمو.. البلطجة وتكسير المحلات بيجيب ورا، وإحنا ناس بتوع قانون وأصول. أنا عايزاكم في حاجة تانية خالص.. حسام والست والدته لازم يتفضحوا بنفس السلاح اللي استخدموه، بس على مية بيضا وقدم الكل.” اتفقت أمي مع الشباب على خطة جهنمية لم تخطر على بال إبليس نفسه. في عصر اليوم التالي، وكان يوم جمعة حيث يمتلئ الشارع بالمارة والمصلين والناس في المقاهي، فوجئ الجميع بصوت ميكروفون ضخم يعلق على سيارة نصف نقل تقف في منتصف الشارع، وبجانبها كريم ومعه شباب الحارة. بدأ كريم يتحدث في الميكروفون بصوت جهوري زلزل المنطقة: “يا أهالي منطقتنا الكرام.. يا ناس يا بتوع الأصول! الحاجة سناء وبنتها الست المحترمة ندى، بيعرضوا عليكم حقيقة (ابن فوزية) اللي ماشي ياكل في سمعة بنات الناس بعد ما طلق مراته ودفع حقها مليم ينطح مليم في القسم عشان ينقذ أمه وخالاته من الحبس!” خرجت فوزية إلى بلكونتها وهي تصرخ كالمجنونة، وجرى حسام من على القهوة وهو يصيح: “أنت بتعمل إيه يا جدع أنت؟ نزل الميكروفون ده!” لكن الشباب أحاطوا بحسام ومنعوه من الاقتراب، بينما قام كريم بتشغيل تسجيل صوتي عبر الميكروفون.. لم يكن التسجيل سوى صوت حسام وخاله في القسم وهم يتوسلون لأمي ويبكون: *”يا حاجة سناء يبوس إيدك بلاش حبس وفضيحة.. الفلوس أهي والقايمة أهي والطلاق أهو بس تنازلي عن محضر البلطجة!”* تجمع الشارع كله، المئات من الرجال والنساء والشباب، ينظرون إلى حسام الذي اسودّ وجهه وأصبح قزمًا في وسط الحارة، وإلى فوزية التي كانت تكاد تسقط من البلكونة من شدة الصدمة والخزي بعد أن سمعت المنطقة كلها صوت ابنها وهو يتوسل ذليلاً. في تلك اللحظة، خرجت أمي ووقفت على عتبة بيتنا، ونظرت إلى حسام وقالت بأعلى صوتها ليسمع الجميع: “اللي يلعب في سمعة بنتي، بقطّع حبال صوته يا حسام! الحارة كلها عرفت مين اللي اشترى كرامته بالفلوس ومين اللي خرج مكسور العين.. وأي كلمة تانية هتتقال في حق بنتي، التسجيل الجاي هيبقى فضيحتكم بالصور!” انتهت النمرة، وتفرق الناس وهم يتهامسون ويسخرون من حسام وأمه التي انغلقت بلكونتها وكأنها قب,,ر. لكن، وبينما كنا صاعدين إلى الشقة والانتصار يملأ قلوبنا، رن هاتف أمي من رقم مجهول. فتحت أمي الخط ووضعت الهاتف على مكبر الصوت، ليأتينا صوت غريب، أجش ومخيف، يقول بنبرة تهديد واضحة: “لعبتِ حلو يا حاجة سناء وفضحتي الواد وأمه.. بس افتكري إن فوزية ليها ضهر كبير قوي مكنتوش عاملينه في الحساب.. والقرصة الجاية مش هتبقى في الشارع ولا في القسم، القرصة الجاية هتبقى في لقمة عيشك ومحلك اللي عايشة منه!” Post Views: 1٬596