حكايات روماني مكرم ج 3

مرت ساعتان ثقيلتان، حتى عاد الحاج رشاد ومعه حقيبة سوداء تحتوي على مستحقاتي كاملة، وتمت كتابة التنازل المتبادل أمام ضابط المباحث بعد أن وقع حسام على إقرار شرطي بعدم التعرض.

خرجنا من قسم الشرطة مع أول خيوط الفجر، وأنا أشعر بحرية لم أشعر بها منذ سنوات. نظرت إلى أمي وقبلت يدها ورأسها وقلت: “ربنا ما يحرمني منك يا بلدوزر حياتي.. أنتِ رجعتيلي روحي.”

قالت أمي وهي تطبطب على كتفي: “حقك رجع يا ندى، وراسك في السما.. بس الحكاية لسه مخلصتش.”

نظرت إليها باستغراب: “مخلصتش إزاي يا ماما؟ مش خدنا حقوقنا وطلقني؟”

ابتسمت أمي ابتسامة غامضة وقالت وهي تنظر إلى الشارع: “حسام خسر فلوسه وكرامته، وفوزية مش هتقعد ساكتة بعد كسر عينها.. والنوعية دي من الناس لما بتفلس وتتكسر، بتتحول لتعابين تلدغ في العتمة.. خلينا صاحيين للّي جاي!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

مرت أسابيع على ليلة القسم الشهيرة. أصبحتُ رسميًا امرأة مطلقة طلقة بائنة، وحقوقي المادية كاملة في حوزتي بفضل ذكاء أمي وقوتها. عادت حياتنا إلى هدوئها الظاهري؛ أمي تباشر عملها في محل البقالة، وأنا بدأت أستعيد توازني النفسي وأفكر في مستقبلي بعيدًا عن حسام وأيامه المظل,,مة.

لكن كلام أمي كان يرن في أذني كالنبوءة: *”النوعية دي من الناس لما بتفلس وتتكسر، بتتحول لتعابين تلدغ في العتمة”*. ولم يخب ظن الحاجة سناء أبداً.

بدأ الأمر بنبرة خبيثة في المنطقة. كنا نمشي أنا وأمي في الشارع فنلاحظ نظرات غريبة من بعض الجيران، وهمسات تخفت بمجرد اقترابنا. لم نعر الأمر اهتمامًا في البداية، حتى دخلت علينا “أم أحمد”، جارتنا وصديقة أمي المقربة، وهي تلطم على ص,,درها وتقول بلهفة: “يا حاجة سناء! إلحقي.. الست فوزية وأخواتها مسبوش حتة في المنطقة إلا وقالوا فيها كلام يقطع السيرة! ماشيين يقولوا إن ندى اطلقت عشان قفشوا عليها حاجات مش تمام، وإن الفلوس اللي ختوها في القسم دي كانت ثمن سكوتهم عشان ميفضحوش البنت!”

شعرت بالدم يتجمد في عروقي، وصحت بذهول: “حاجات مش تمام؟ أنا؟! ده أنا مكنتش بخرج من باب البيت إلا بإذن ابنها! حسبي الله ونعم الوكيل فيهم!”

أمي لم تنفعل كالعادة، بل بردت ملامحها تمامًا كأنها كانت تتوقع هذه الدناءة. نظرت لأم أحمد وقالت بصوت هادئ: “وفوزية بتقول الكلام ده فين يا أم أحمد؟”

ردت الجارة: “عند الخياطة، وفي السوق، وحسام ابنها قاعد على القهوة اللي على أول الشارع ورابط راسه ويقول للشباب أنا غسلت عاري وطردتها بشنطة هدومها والفلوس دي تعويض عشان ميتسج,,نوش!”

وقفتُ وأنا أبكي بح,,رقة: “يا ماما هنعمل إيه؟ السمعة في منطقتنا زي عود الكبريت، لو ولع مبيطفيش.. حسام وأمه عايزين يدمروا مستقبلي عشان ينتقموا لفلوسهم وفضـ,ـيحتهم!”

أمي وقفت، وعدلت عباءتها السوداء ببطء شديد، وقالت بنبرة تقطر دهاءً: “الضـ,ـرب في الوش خلاص مابقاش ينفع مع التعابين دي يا ندى.. هما لعبوا في السمعة؟ يبقوا دخلوا منطقتي وملعبي. اطلعي لمي لي شباب الحارة الجدعان يا أم أحمد.. وقوليلهم الحاجة سناء عايزاكم في خدمة رجولة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *