روماني مكرم ج الأخير

وصلنا إلى الشارع، وكان المشهد لا يقدر بثمن. المحل مفتوح على مصراعيه، والجيران يطلقون الزغاريد فرحةً بنصر الحاجة سناء. وعلى الناصية المقابلة، كان المعلم غريب يقف ووجهه يشتعل غيظًا، وبجانبه حسام الذي تلاشت علام,,ات النصر من على وجهه تمامًا وتحولت إلى رعب حقيقي بعد أن أدركوا أن “سناء” ليست صيدًا سهلاً، وأن ضهرها أطول وأقوى مما يتخيلون.

أمي لم تكتفِ بفتح المحل؛ بل وقفت أمام باب المحل بكل كبرياء، ونظرت باتجاه المعلم غريب وحسام وقالت بصوت مسموع ليرتد في أرجاء الشارع: “البيوت اللي أساسها الأصول مبتهدهاش ريح يا معلم غريب! وإنت يا سي حسام، قولتلك أعلى ما في خيلك اركبه.. لقمة عيشنا دي اللي بيحميها ربنا، ومحدش يقدر يقرب منها.”

انصحب المعلم غريب وهو يجر أذيال الخيبة، بعد أن كسرت أمي نفوذه أمام المنطقة كلها، وبدأ يلوم حسام بعصبية وصراخ في وسط الشارع: “أنت ورطتني مع ناس واصلين يا فاشل! أختك فوزية دي تودّي في داهية!”

مرت يومان، والهدوء حذر في المنطقة، لكننا كنا نعلم أن الهدوء الذي يسبق العاصفة دائمًا أشد خطورة.

وفي ليلة الإثنين، وبينما كنت أقف في المطبخ أعد العشاء، سمعت صوت حشرجة غريبة تأتي من منور الشقة، يتبعها صوت خطوات خفيفة على السطح فوقنا مباشرة!

انق,,بض قلبي وركضت نحو الصالة وأنا أهمس برعب: “ماما! فيه حد فوق السطوح.. وفيه صوت حركة غريبة في المنور!”

وقفت أمي بسرعة، وأمسكت بعصا خشبية غليظة كانت تحتفظ بها خلف الباب، وقبل أن نت,,حرك خطوة واحدة، تحطم زجاج نافذة المطبخ فجأة، وتطايرت النيران داخل الشقة بعد أن ألقى شخص مجهول زجاجة “مولوتوف” حارقة اشتعلت في الحال!

صحتُ بأعلى صوتي: “الحري,,قة يا ماما! الشقة بتولع!”

أمي سحبتني بسرعة نحو باب الشقة وهي تفتح الأقفال بيد ترتعش لأول مرة، لكن الصدمة الكبرى كانت عندما فتحت الباب؛ لتجد شخصًا ملثمًا يقف في وجهها مباشرة، يحمل سل..احًا أبيض ويرفعه في الهواء ليهبط به على رأس أمي…

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

في تلك اللحظة الحاسمة، وأمام لمعة السل..اح الأبيض، لم تتراجع أمي “سناء” خطوة واحدة. بدا وكأن “البلدوزر” استجمع كل قوة الأمومة والكرامة في عروقه. وبسرعة البرق، وقبل أن تهبط يد الملثم، تفادت الضـ,ـربة ببراعة ورفعت العصا الخشبية الغليظة بكل قوتها، لتهبط بها على يد المعتدي، فيسقط السل..اح من يده وهو يصرخ متألمًا.

لم تتركه أمي يستوعب ما حدث؛ بل انهالت عليه بالضـ,ـرب وهي تصرخ بأعلى صوتها: “حرامي! بلطجي! الحقونا يا رجالة الحتة!”

ارتجت العمارة بصوت أمي وصراخي، وفي ثوانٍ معدودة، كان “كريم” وشباب الحارة يندفعون على السلم كالإعصار. أطبق الشباب على الملثم وشلوا حركته تمامًا، في حين أحضر الجيران طفايات الحري,,ق وسيطروا على النيران التي اندلعت في المطبخ بسرعة قبل أن تمتد لباقي الشقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *