جُـوزي جـاب ضُـرّة عَليّـا، ووِقِـف قُـدّام أهـلُه ج 2

### الفصل الرابع: خيوط العنكبوت والعدو الخفي
الكلمة اللي كتبتها ليلى في الجواب فضلت تتردد في ودني زي جرس إنذار: “الشريك لسه حر طليق، وممكن يكون أقرب ليكي مما تتخيلي”. قعدت على طرف السرير، والجواب في إيدي بيتهز، وبدأت أفتكر مواقف قديمة، تفاصيل صغيرة كنت بعديها من غير ما أركز فيها، بس دلوقت بقت واضحة وضوح الشمس.
سامي مكنش عبقري عشان يعمل كل ده لوحده. سامي كان “واجهة”، كان مجرد عيل بيحب المظاهر والمنظرة، لكن التخطيط؟ التخطيط كان محتاج عقل أكبر وأدها. مين اللي كان بيزن في ودنه طول السنين اللي فاتت؟ مين اللي كان بيشجعه يبعد عني، ويصرف ببذخ، ويستثمر في مشاريع مشبوهة؟
خرجت من الأوضة، البيت كان هادي تماماً، كأن جدرانه بتستوعب الصدمة اللي حصلت. لقيت حماتي قاعدة في الصالة، ضامة رجليها لصدرها وباصة للفراغ. ملامحها مكنتش مكسورة، كانت ملامح واحدة “مستنية”.
قربت منها وقلبي بيدق بعنف، سألتها بصوت خافت: “يا حجة.. سامي ما عملش ده كله لوحده، صح؟ مين اللي كان بيوجهه؟”
بصت لي ببطء، وعنيها كانت ميتة من غير لمعة، وقالت بصوت أجش: “إنتي لسه فاكرة إنك عرفتي الحقيقة يا هناء؟ إنتي لسه في أول السلم. اللي بيسأل عن أسرار العقارب، لازم يستحمل لدغتهم.”
اتصدمت من ردها، وقبل ما أنطق، سمعت صوت حركة في المطبخ. مشيت ببطء ناحية الصوت، لقيت “عمر”، أخو سامي الصغير، واقف بيفتش في أدراج المكتب بتاع سامي اللي كان في أوضة المكتب الجانبية. عمر اللي كان دايماً بيمثل دور الأخ الغلبان اللي بيشتغل عند سامي باليومية، واقف دلوقتي ووشه متهجم، وبيمد إيده بشنطة سوداء تانية خالص، غير شنطة العروسة!
اتخبيت ورا الحيطة وراقبت. عمر كان بيلم كل الأوراق المهمة، وبسرعة بيحرق جزء منها في ولاعة، والباقي بيحطه في شنطة تانية. كان بيبص حواليه برعب، كأنه خايف من خيال ضله.
مشيت خطوة، بس خشب الأرضية “صرصر” تحت رجلي. عمر جمد في مكانه، بص ناحيتي وعيونه اتسعت من الخوف، وبعدين اتحولت لنظرة عدائية. قال بصوت واطي: “إنتي إيه اللي جابك هنا؟ مش كفاية الفضيحة اللي حصلت؟ ادخلي أوضتك يا هناء، وماتدخليش نفسك في اللي ميفهمكيش.”
اتشجعت، يمكن لأول مرة في حياتي حسيت إن مفيش حاجة أخاف عليها بعد ما حياتي اتهدت، وقفت قدامه وقلت: “مش هدخل أوضتي يا عمر. أنا عايزة أفهم. سامي فين؟ ومين اللي كان بيمشيكم زي العرايس؟ إنت كنت شريكه، مش كده؟”
عمر ضحك ضحكة باردة، وقرب مني خطوة: “شريكه؟ ده أنا كنت العقل المدبر يا هناء. سامي كان مجرد دمية بلبسها وأحركها عشان أخد الفلوس اللي كنت بحلم بيها. سامي كان طماع، بس أنا كنت ذكي. وأهو في الآخر، كلنا وقعنا في شر أعمالنا.”
كنت لسه هسأله عن الشريك “التالت”، بس فجأة سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت، وصوت حد بينادي بره. صوت مكنش غريب عليا.. كان صوت “الحج منصور”، صاحب الأرض اللي بنى عليها سامي شركته!
عمر وشه اتخطف وبقى لونه أخضر، ساب الشنطة وجري ناحية الشباك الخلفي، وخرج منه زي الحرامية. سابني واقفة في وسط الأوضة، والأسئلة بتنهش في دماغي. الحج منصور؟ الراجل اللي كان بيحضر معانا كل المناسبات؟ الراجل اللي كان بيعتبر سامي زي ابنه؟
خرجت بسرعة للصالة، لقيت الحج منصور داخل البيت، ووراه راجلين ضخام ببدل سوداء. بص لي بابتسامة سمجة وقال: “أهلاً يا ست هناء.. فين سامي؟ سمعت إن الحفلة انتهت بدري، وأنا كنت جاي أطمن على البضاعة اللي كانت في خزنته.”
وقفت قدامه بصلابة، لأول مرة في حياتي حسيت إن الخوف سابني، وقلت له بصوت ثابت: “سامي في الحجز يا حاج، والشركة بقت تحت إيد النيابة. لو عايز حاجة، روح اسألهم هما.”
الراجل ضحك ضحكة هزت البيت كله، وقال: “يا بنتي، النيابة بتحقق في الفلوس، بس أنا عايز ‘الأصول’. الملفات اللي عمر كان بيحاول يهرب بيها، هي دي اللي تهمني.”
فهمت اللعبة. اللعبة مش بس فلوس، اللعبة “أوراق وضمانات” بتدين ناس كبيرة في البلد. والحج منصور ده ما هو إلا واجهة لناس أكبر بكتير، ناس مصلحتها إن سامي وعمر يفضلوا ورا القضبان، بس من غير ما سرهم يطلع للنور.
في اللحظة دي، تليفوني رن. كانت رسالة من ليلى: “اوعي تدي له حاجة. اللي في الشنطة اللي عمر سابها هو اللي هيحميكي.. فيه دليل إدانة للحج منصور نفسه.”
بصيت للشنطة اللي عمر سابها على الأرض، وبصيت للحج منصور اللي كان بيقرب منها. قلبي كان بيدق، ومفيش قدامي غير اختيارين: يا إما أسلم الشنطة وأضمن سلامتي وسلامة ولادي، يا إما أكمل في اللعبة دي وأكشف الحقيقة كاملة، حتى لو كان التمن حياتي.
مسكت الشنطة قبل ما يوصل لها، وجريت ناحية باب الخروج، بس الرجالة بتوعه قطعوا عليا الطريق. الحج منصور شال القناع، وقال بصوت فحيح الأفاعي: “هاتي الشنطة يا هناء، عشان خاطر ولادك.. مش عايزة أضطر أعمل حاجة تندمي عليها.”
وقفت، ورفعت الشنطة لفوق، وقلت له: “أنا بقالي 14 سنة خايفة، كفاية لحد كده. لو عايزها.. هاتها من النيابة!”
كنت لسه هرمي الشنطة من البلكونة لأي حد في الشارع، لما فجأة الباب اتفتح، ودخلت قوة من الشرطة، بس مش الشرطة العادية.. كانت فرقة مكافحة الفساد!
الحج منصور اتجمد، والرجالة بتوعه رفعوا إيديهم. ليلى كانت واقفة وراهم، لابسة نظارة سوداء، ومعاها ظابط كبير. بصت لي بابتسامة نصر، وقالت: “كده اللعبة خلصت يا حاج منصور.”
بس الغريب، إن عمر اللي هرب من الشباك، ظهر فجأة من وراهم، وهو ماسك مسدس وموجهه ناحيتي أنا، مش ناحية الظباط! صرخ بجنون: “محدش يقرب! أنا هنهي كل ده!”
إيه اللي هيحصل؟ هل عمر هيضحي بيا؟ ومين لسه مخبي وشه في الضلمة وبيحرك الخيوط دي؟ والشنطة.. هل فيها اللي يحررني بجد، ولا هي كمان فخ؟
** يتبع

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *