حماتــي أصــرّت إن فــرش شقّتـي الجديـدة ج 3 والاخير

وقف أخويا “هشام” قدامي، ببدلته الغالية ووشه اللي بيشع “سم” مش أخوة. وراه أربعة بودي جارد ضخام، واقفين كأنهم جبال من العضلات. البيت اللي كان هادي، اتحول في لحظة لساحة حرب باردة. أحمد وقف ورايا، إيده ماسكة كتفي، بيشد على إيدي عشان يطمني، بس هشام كان عينه على أحمد نظرة احتقار، كأنه بيقول له “إنت لا شيء”.
هشام ضحك ضحكة باردة ودخل البيت من غير ما يستأذن، والرجالة بتوعه دخلوا وراه، وقفوا في الصالة كأنهم أصحاب المكان.
“إيه يا مروة.. قفشتي سمر وجوزها؟ برافو عليكي. كنت فاكرك أذكى من كدة، كنت فاكرك هتسيبيهم يهربوا ونخلص من القصة دي، بس الظاهر إنك حابة تعقدي الأمور.”
بصيت له بكل ثبات، صوتي كان طالع قوي من غير رعب: “أنا مش بس قفشتهم يا هشام. أنا عرفت كل حاجة. عرفت إنك الممول، وعرفت إنك اللي كنت بتبعت الصور المفبركة، وعرفت إنك كنت بتخطط تنهب كل حاجة ورا ظهري.”
هشام قعد على الكرسي اللي كانت قاعدة عليه حماتي قبلها بساعات، وحط رجل على رجل: “ومين هيصدقك؟ الورق اللي مع سمر ضاع، وأنا مسحت كل أثر ممكن يربطني بيهم. إنتي مين قدامي؟ شوية فيديوهات؟ ده أنا ممكن أشتري القاضي والشرطة اللي إنتي معتمدة عليهم.”
في اللحظة دي، ابتسمت ابتسامة هادية، طلعت تليفوني وحطيته على التربيزة قدامه: “مش محتاجة أشتري حد. أنا كنت مسجلة كل مكالمة دارت بينك وبين سمر، وكل رسالة تهديد بعتها، حتى الصور اللي كانت بتتبعت من جهازك الشخصي.. كلها متوثقة في السحابة الإلكترونية (Cloud) ومبعوتة في نفس اللحظة لمكان مأمن عليه.. لمكان مش هتقدر توصله.”
وش هشام اتغير، العروق بدأت تبان في رقبته، وقام وقف بعنف: “انتي بتلعبيني يا مروة؟ إنتي فاكرة إنك هتخرجي من هنا سليمة؟”
أحمد اتكلم لأول مرة بصوت جهوري: “لو لمست شعرة منها، مش هتخرج من هنا حي يا هشام. أنت في بيتي، والبوليس في الطريق.”
هشام ضحك: “البوليس؟ إنت فاكر البوليس يجرؤ يقرب مني؟”
وفعلاً، دقايق وسمعنا صوت سيرينات البوليس برا. بس ده مش كان بوليس عادي.. دي كانت قوات مكافحة الجرائم الإلكترونية وجهاز الرقابة، اللي المحامي صبري -اللي كان شغال معايا من ورا ضهري- بلغهم بكل تفاصيل التلاعب اللي هشام بيعمله في الصفقات المشبوهة والابتزاز.
هشام بدأ يتوتر، وبص للرجالة بتوعه، بس هما كانوا خايفين يتحركوا من صوت الهتافات برا: “يا هشام بيه، سلم نفسك، البيت محاصر!”
هشام بص لي، وعينه كانت بطلع شرار: “إنتي اللي عملتي ده؟ ضحيتي بأخوكي؟”
رديت عليه بوجع: “أنت اللي ضحيت بأختك من سنين يا هشام، لما بعتني وسلبتني حقي، ولما حاولت تدمر بيتي عشان شوية فلوس. أنت اللي بدأت الحرب، وأنا بس نهيتها.”
دخلت قوات الشرطة، والبيت اتحول لخلية نحل. هشام كان بيحاول يقاوم، بس اتكلبش وخرجوه وهو بيتوعدني بكل أنواع الأذى. بصيت له وهو بيتاخد، وقلبي كان بيدق بسرعة.. أخويا اللي كان المفروض سندي، بقيت أنا السبب في نهايته.
بعد ما الدنيا هديت، لقيت أحمد واقف قدامي، بيبص لي بفخر. “أنا كنت عارف إنك ذكية، بس ما كنتش متخيل إنك توصلي للدرجة دي من التخطيط.”
ابتسمت له بضعف: “كنت لازم أعمل كدة عشان نعيش في أمان يا أحمد. سنتين كانوا كفاية، أنا مش هسمح لحد تاني إنه يتحكم في حياتنا.”
الحاجة زينب كانت قاعدة في ركن الصالة، بتبص لنا بدموع: “أنا كنت جزء من كل ده.. أنا استاهل السجن زي ما هما استاهلوا.”
بصيت لأحمد: “هي خافت علينا في الآخر، وهي اللي عطتنا الخيط اللي كشف سمر. سيبوها هي تواجه ضميرها، كفاية اللي شافته في ولادها.”
مرت الأيام، وبدأت المحاكمات. سمر وجوزها وهشام اتحكم عليهم بأحكام قاسية، الفضيحة كانت كبيرة، بس الحقيقة كانت أكبر. استردينا حقوقنا، وبعنا العفش اللي كان عامل مشاكل، وجددنا الشقة بلمستنا الخاصة، بعيد عن تدخلات حد.
بعد تلات شهور من الهدوء..
كنت قاعدة في البلكونة الجديدة، بشرب قهوتي الصبح، وأحمد قاعد جنبي بيقرأ في كتابه. حسيت بلمسة على إيدي، بصيت له وابتسمت.
“مروة.. إنتي لسه بتفكري في اللي حصل؟”
هزيت راسي: “بفكر في الدرس اللي اتعلمته. الحما، والأخت، والأخ.. لما يكونوا طمعانين، بيتحولوا لوحوش. بس المهم إني اكتشفت إن قوتي مش فيهم، قوتي في إيماني بنفسي، وفي وقفتك جنبي.”
أحمد باس إيدي: “إحنا بدانا حياتنا من جديد، حياتنا الحقيقية، بعيد عن أي “تمثيل”. إيه رأيك نبدأ صفحة بيضا؟”
سكت شوية وبصيت للسما: “إيه رأيك نسافر؟ نغير جو، ننسى كل الذكريات الوحشة في الشقة دي؟”
ضحك أحمد: “اللي إنتِ عايزاه يا مروة، الشقة دي بقت ملكنا، نعمل فيها اللي إحنا عايزينه، ونسافر للأماكن اللي إحنا عايزينها.”
قمت وقفت، بصيت للشقة اللي كانت في يوم من الأيام “مسرح ج*ريمة”، وبقت دلوقتي “ملاذ أمان”. مسحت إيدي على الحيطة، حسيت ببرودة الطوب، وحسيت إن كل حزن راح.
دخلت المطبخ أحضر الغدا، وفجأة سمعت رنة تليفوني. رقم مجهول.
ترددت قبل ما أرد. رديت بصوت واطي: “ألو؟”
“مروة؟” صوت راجل غريب، صوت هادي بس فيه نبرة تقيلة. “أنا عارف إنك فاكرة إنك خلصتي، بس اللي هشام كان بيعمله ده مجرد شغل صغير.. فيه ناس تانية فوق، ناس ما بتحبش اللي يفتح ملفاتهم. خدي بالك من خطواتك.”
قفل التليفون.
اتسمرت في مكاني. التليفون وقع من إيدي. أحمد دخل المطبخ وشافني واقفة بذهول: “مالك يا مروة؟ مين اللي كان على التليفون؟”
بصيت له بخوف، ولقيت نفسي ببتسم ابتسامة غامضة: “لا يا أحمد.. ولا حد. ده كان إعلان.”
حطيت التليفون في جيبي، وكملت تقطيع السلطة. كنت عارفة إن فيه خطر، وعارفة إن الدنيا دي ما بتخلصش، بس خلاص.. أنا ما بقيتش مروة اللي بتخاف. أنا بقيت “الكاتبة” اللي كتبت نهايتها بنفسها، وهكتب أي نهاية تانية لأي حد يحاول يقرب مني.
قربت من أحمد وحضنته: “يلا ناكل، الجوع كافر.”
ضحك أحمد وهو مش حاسس باللي في قلبي. الحقيقة إني كنت خايفة، بس خوفي ده هو اللي هيخليني دايماً مستعدة. الحرب انتهت، بس القوة بدأت.
عشت حياتي بعد كدة وأنا واثقة إن أي عاصفة هتيجي، هقدر أواجهها، لأن اللي واجهت أخوها وحماتها وسمر، تقدر تواجه العالم كله.
**تمت.**
كل شقي وتعب، كل دمعه نزلت في البيت ده، ما كانتش خسارة، كانت ثمن لـ “مروة الجديدة”. العبرة مش في الأثاث اللي كان هيتاخد، ولا في الشقة اللي اتسرقت، العبرة في “الكرامة” اللي رجعتها، وفي “البيت” اللي بنيته على أساس من الصدق، مش من رمال الظلم.
والحكاية.. بدأت من جديد، بس المرة دي، بقلمي أنا.
