تغيرت ملامح عمار تماماً، واختفت الابتسامة الودودة التي كانت تزين وجهه طوال الأيام الماضية، وحلت مكانها نظرة صارمة حادة جعلتني أشعر أن القادم أسوأ بكثير. وقف بجسده القوي، ووضع يديه في جيوبه، ونظر إليّ بنظرة اخترقتني كالسهم. * **عمار (بصوت منخفض كفحيح الأفعى):** "أنتِ قابلتيه.. صح؟" تسمرت في مكاني، ولم أستطع النطق بروح واحدة. عرف عمار الإجابة من صمتي وارتجاف يديَّ وهي تمسك بالصينية الفارغة. تنهد ببرود شديد أثار رعباً طفيفاً في صدري، ثم اقترب خطوة واحدة وقال: * **عمار:** "مصطفى لسه عايش في دور الضحية، ولسه ذكاؤه على قده زي ما هو. الحساب القديم اللي بيتكلم عنه مات وشبع موت من سنين، وعمي زناتي عارف ده كويس. بس المرة دي يا ندى، الشك مش جاي من مصطفى.. الشك جاي منك أنتِ. ومادام كلام عيل زي ده هز ثقتك فيا وفي وقفتي جنبك قدام الحتة كلها، يبقى أنتِ لسه منضفتيش من جرحه." وقبل أن أتمكن من الرد أو الدفاع عن نفسي، عاد أبي إلى الصالة وهو يحمل الأوراق. في ثانية واحدة، تبدلت ملامح عمار وعاد إلى قناعه الهادئ والرزين، واعتذر من أبي بداعي أن لديه عملاً طارئاً في الموقع في ساعة مبكرة من الصباح، واستأذن وخرج. ### ليلة الشكوك والرسالة المجهولة انصرف عمار وتركني في دوامة أشد عنفاً من الأولى. طريقته في الرد، وبروده المفاجئ، وتحوله من الحبيب الحاني إلى الرجل الصارم، أثارا في نفسي ألف سؤال. هل كان غضبه لأنه كُشف؟ أم لأنه شعر بالإهانة لأنني صدقت مصطفى؟ دخلت غرفتي وأغلقت الباب. أمسكت بهاتفي، وكنت على وشك كتابة رسالة اعتذار لعمار، لكن رنين الهاتف قاطعني. كانت رسالة من رقم غير مسجل، وبمجرد أن فتحتها، سقط الهاتف من يدي على السرير. كانت الرسالة تحتوي على صورة لعقد بيع قديم لأرض في بلدنا بالصعيد، ومكتوب تحتها بخط اليد: > "عمار مكنش مستني مصطفى يسيبك عشان بيحبك.. عمار كان شاري الأرض دي من ورا أبوكي، والشرط الجزائي في العقد كان بيوجب على عيلتنا تتنازل عن نصيبها لو حصلت مصاهرة بين بيت الزناتي وأي حد برة العيلة قبل السنة دي ما تخلص. مصطفى غبي وميعرفش، بس عمار لبّسكم العمة كلكم عشان الأرض ترجعله ببلاش!" > ### تداعي الحصون لم أعد أرى أمامي. انقبض قلبي لدرجة شعرت معها بالاختناق. هل يعقل أن يكون أبي "الحاج زناتي" برجل جلبابه وهيبته، وأخي أحمد بذكائه، قد وقعا ضحية للعبة قذرة من ابن عمي المهندس؟ هل كرامتي وشرفي والشهادة الطبية التي دُبحت عليها كانت مجرد ورقة رابحة في صفقة أراضي؟ لم أنتظر الصباح. خرجت إلى الصالة ودموعي تنهمر بغزارة، ووجدت أبي يصلي ركعتي قيام الليل. انتظرت حتى سلم، ووقفت أمامه وجسدي كله ينتفض. * **ندى (بصراخ مكتوم):** "يا بابا.. إحنا اتلعب بينا.. عمار ضحك علينا كلنا! شوف الورقة دي وشوف عمار رجع العيلة ليه وبيدافع عني قدام الناس ليه!" أخذ أبي الهاتف بيده المرتعشة، ونظر إلى صورة العقد. تفحصها طويلاً، ثم أغلقت عيناه بأسى شديد، ولم يبدُ عليه الذهول كما توقعت! نظر إليّ وقال بصوت مكسور: * **الحاج زناتي:** "أنا عارف الموضوع ده يا بنتي.. وعارف العقد ده كويس." سقطت على ركبتي من الصدمة. أبي يعلم؟ * **الحاج زناتي:** "عمار جالي قبل ما ينزل الشارع ويمسح بمصطفى الأرض، وقطع أصل العقد ده قدام عيني، وقال لي: 'أرض الدنيا كلها متساويش ضفر ندى، وأنا هجيب حقها عشان هي بنت عمي وعرضي، مش عشان ورق.' عمار اشترى كرامتنا يا ندى.. ومصطفى هو اللي بايع العقد ده لعمار من شهر عشان يجهز شقته معاكي!" ### اللعبة الكبرى تكشفت الحقائق أمامي كقطع الدومينو المتساقطة. مصطفى هو من باع الأرض لعمار سراً ليحصل على المال، وحين شعر بالندم والغيرة بعد ضياع كل شيء، حاول استخدام نفس الورقة ليدمر علاقتي بعمار. لكن الفرحة لم تدم؛ فبينما كنت أحاول استيعاب شهامة عمار ونذالة مصطفى، اهتز هاتفي مرة أخرى باتصال من أخي أحمد، وكان صوته يرتجف ويلهث وكأنه يركض: * **أحمد:** "الحقنا يا بابا! عمار عرف إن مصطفى هو اللي بعت لندى الرسايل، وراح له لغاية بيته في الحتة ومعاه رجالة.. الدنيا مقلوبة تحت بيت مصطفى والدم هيركب!" ### الجزء السادس: ساحة الحساب لم ينتظر أبي سماع الكلمة التالية من أحمد؛ انتفض من مكانه كشاب في العشرينات، وسحب عصاه وعباءته وهو يردد بحسرة: *"يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. ستر العرض يا رب، عمار لو دمه فار مش هيرحم حد!"* نزلت خلفه أركض والدموع تعمي عيني، متجاهلة صراخ أمي خلفنا وتوسلاتها ألا نخرج في هذا الوقت المتأخر من الليل. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحاً، والشارع الذي يقع فيه بيت مصطفى في أول الحتة كان يغلي، وكأن المنطقة بأكملها استيقظت على زلزال. حين وصلنا، كان المشهد يحبس الأنفاس. رجالة عمار يطوقون مدخل العمارة، وأحمد أخي يحاول الإمساك بذراع عمار الذي كان يقف كالأسد الهصور، ملامحه الصعيدية تفيض غضباً، وعيناه تشتعلان شرراً. في المقابل، كان مصطفى واقفاً وراء خاله وبعض جيرانه، ووجهه يقطر خوفاً بعد أن أدرك أن لعبته الأخيرة قد انقلبت وبالاً عليه. ### المواجهة الحاسمة * **عمار (بصوت رعدي زلزل الشارع):** "أنا قولتلك يا مصطفى.. لو لمحتك في طريقها أو سمعت حسك، حسابك معايا أنا! جاي النهاردة تلعب بالأوراق وتدير ألاعيبك الوسخة وتشككها في أهلها وفيَّا عشان تداري على خيبتك؟" * **خال مصطفى (بمحاولة لتهدئة الموقف):** "يا بشمهندس عمار، صلي على النبي، الولد غلطان وإحنا حقكم علينا.. بس البيوت ليها حرمة والموضوع مش مستاهل دم!" * **عمار (يقاطع بحدة):** "الحرمة دي كان يعرفها ابن أختك وهو بيبيع أرضه وعرضه بالرخيص؟ كان يعرفها وهو بيطلب شهادة عذرية من بنت الأصول عشان يكسر نفسها؟" في تلك اللحظة، شق أبي الصفوف ووقف بعصاه بين الطرفين، ووضع يده على صدر عمار يهدئه: * **الحاج زناتي:** "اهدأ يا عمار.. اهدأ يا ابني، حقنا رجع والحتة كلها عرفت مين الراجل ومين اللي باع. متضيعش مستقبلك ومستقبل بيتك عشان واحد ميسواش." التفت عمار إليّ فجأة وسط الجموع، رآني واقفة أرتجف والدموع تنهمر على وجهي. نظر إليّ نظرة طويلة هدأ فيها ثيرانه الهائجة قليلاً، لكن عزة نفسه كانت قد جُرحت بسبب شكي فيه. ### الحقيقة العارية أمام الجميع أخذ عمار نفساً عميقاً، ثم أخرج من جيب جاكيته أصل عقد الأرض الذي تحدث عنه أبي، ورماه في وجه مصطفى أمام كبار الحتة والناس المتجمهرة في الشرفات. * **عمار:** "العقد ده اللي أنت باعت صورته لخطيبتي عشان توقع بيني وبينها وتقولها إني داخل على طمع، الأًصل بتاعه أهو تحت رجليك! الأرض دي أنا اشتريتها بفلوسي عشان عمي محتاج، وكنت ناوي أكتبها باسم ندى مهر ليها.. بس النهاردة، قدام الحتة كلها، أنا بنهي أي كلام. ندى بنت عمي وغسيل عرضي، والكلب اللي يجيب سيرتها بكلمة بعد النهاردة ملوش مكان في المنطقة دي!" التفت عمار وأشار لرجاله بالانسحاب، وتحرك بخطوات واسعة مغادراً الشارع دون أن ينظر خلفه، تاركاً مصطفى في خزي وفضيحة لم تشهدها الحتة من قبل، بعد أن عرف الجميع أنه باع أرضه سراً وحاول تدمير ابنة الأصول التي عجز عن صونها. ### الندم والشرخ الكبير عدنا إلى البيت، وكان الصمت الذي يلفنا أشد قسوة من صوت المعركة. دخلت غرفتي، وأنا أشعر بندم يمزق أحشائي. كيف سمحت لمصطفى، ذلك الإنسان الذي دمر كرامتي، أن يزرع الشك في قلبي تجاه الشخص الوحيد الذي اشتراني واشترى كبرياء عائلتي؟ نظرت إلى الشبكة والعلب القطيفة الموضوعة على تسريحة غرفتي، وشعرت أنني خسرت عمار إلى الأبد؛ فرجل كعمار، بعزة نفسه وشموخه، لن يقبل بامرأة صدقت فيه كذبة من عشيها السابق بمجرد رسالة مجهولة. في الصباح الباكر، حسمت أمري. لم أعد تلك الفتاة المستسلمة قليلة الحيلة التي تبكي خلف الجدران. ارتديت ملابسي، ونزلت متوجهة إلى مكتب عمار في الشركة الهندسية التي يمتلكها، وأنا أعلم أن هذه المواجهة ستحدد مصير عمري كله.. وحين فتحت باب مكتبه ودخلت، وجدته يجلس وراء مكتبه بملامح جامدة كالرخام، ونظر إليّ دون أي تعبير، وقال: *"جيتي ليه يا ندى؟ أظن الحكاية خلصت ومبقاش فيه ورق يشكك فيا."* حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم ### الجزء السابع والأخير: انتصار الكرامة والأصول وقفتُ أمام مكتبه وجسدي يرتجف، لكن عينيَّ كانتثابتتين هذه المرة. نظراته الجامدة كالرخام كانت كفيلة بأن تقتل أي أمل في داخلي، لكنني تذكرت أنني ابنة "الحاج زناتي"، وأن مَن يقف أمامي ليس مجرد عريس، بل هو الرجل الذي اشترى هيبتنا في وقت باعنا فيه الجميع. * **ندى (بصوت مخنوق ولكن واثق):** "أنا مجيتش عشان أسأل عن ورق يا عمار.. ولا جيت عشان أدافع عن شكي. أنا جيت عشان أقولك إني غلطت، والغلطان لما يعرف قيمتك لازم يجيلك لغاية عندك ويوطّي رأسه احترماً ليك." خطوت خطوتين للأمام، وضعت علبة الشبكة المخملية على مكتبه، وتابعت والدموع تنهمر من عيني: * **ندى:** "مصطفى دبحني في كرامتي، ولما جيت أنت وداويت الجرح، الشيطان دخل من باب الخوف.. خوفت أكون بطلع من حفرة لأقع في دحديرة. بس النهاردة، بعد ما شوفتك في الشارع وأنت بترمي الأرض والفلوس تحت رجليه عشان خاطري وخاطر أبويا، عرفت إنك الراجل اللي بجد. الشبكة دي أهي يا عمار.. لو مش عاوزني فده حقك، بس أنا مش هخرج من هنا إلا وأنا عارفة إنك مسامحني." صمت عمار طويلاً، ونظراته الحادة بدأت تلين تدريجياً. قام من خلف مكتبه، واقترب مني حتى وقف أمامي مباشرة، ثم مد يده وأخذ علبة الشبكة وفتحها، وأخرج منها الخاتم. * **عمار (بابتسامة هادئة عادت لتزين وجهه):** "أنا قولتلك من أول يوم يا ندى.. أنا مش مستعجل، وعارف إن الجرح اللي في قلبك كان كبير. شَكّك زعلني لأنه جه بعد ما شوفتي وقفتي، بس الصعيدي اللي جوايا عذرك لأنك شوفتي نذالة من واحد كنتِ فاكراه راجل. أنا مش هسيب شبكتي على المكتب.. أنا هلبسهالك تاني، بس المرة دي وكتب كتابنا الأسبوع الجاي.. هتعيشي ست الستات في بيتي، والماضي ده اترمى تحت رجلينا في الشارع ومفتكرش إن فيه كلب هيجرؤ ينطق باسمك تاني." مددت يدي له وقلبي يرقص فرحاً، للمرة الأولى منذ سنة كاملة، شعرت أن الدموع التي تنزل من عيني هي دموع الفرحة الحقيقية، وليست دموع الذل والكسرة. ### نهاية المطاف مر الأسبوع كأنه حلم سريع. وفي المساء الموعود، كانت الحتة كلها تتلألأ بالأنوار، وصوت المزامير يملأ الأجواء. جلس أبي "الحاج زناتي" وبجواره عمار، ويداهما متشابكتان فوق منديل عقد القران. وحين قال المأذون كلمته الشهيرة "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"، تعالت الزغاريد في بيتنا وضجت الفرحة التي حُرمت منها لشهور. أما مصطفى، فقد علمنا لاحقاً أنه اضطر لبيع ما تبقى له بالمنطقة ورحل هو وأهله إلى مكان آخر، بعد أن أصبح منبوذاً وسط جيرانه، يحمل فوق ظهره وصمة عار رجل شك في عرض بنت الأصول وفضح نفسه بنفسه. وقفتُ بجوار عمار في شرفتنا الجديدة، أنظر إلى النجوم وأنا أتنفس الحرية والكرامة، واضعة يدي في يده الواثقة، وأنا أعلم أن المركب لم تسر بالغباء وقلة الحيلة، بل سارت بالأصول والرجولة التي لا تُباع ولا تُشترى بالمال. ### الحكمة من الحكاية > **إن البيوت لا تُبني على الشك، والكرامة لا تقبل المساومة.** > الراجل اللي يحبك بجد، هو اللي يشوفك شريفة وغالية من غير ورق ولا إثباتات، هو اللي يكون سترك وسندك في الدنيا مش سكين بتدبح في كرامتك تحت مسمى "الحق الشرعي". > والبيت اللي يدخله الشك يتهد لو كان قصر، والبيت اللي يبنيه الأصول والرجولة يعيش لأخر العمر صامد في وش الريح. البنت الغالية يلزمها راجل غالي يصونها، وميلزمهاش راجل عينه تزوغ من الشك الخسيس. > **تمت الحكاية...**حكايات رومانى مكرم