إهانـة جـوزي قـدام عيـلته ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

غمضت عيني من الألم.

ولا حد قام.

ولا حد سألني كويسة ولا لأ.

الوحيدة اللي جريت عليا كانت ملك.

حضنت رجلي الصغيرة وقالت:

— “يلا نمشي يا ماما.”

الجملة دي كانت أول صفعة حقيقية.

أما الصفعة التانية…

فجت بعدها بدقايق.

الناس كملت أكل عادي.

كأن مافيش حاجة حصلت.

وأحمد قاعد على الكرسي كأنه انتصر في معركة.

وفجأة موبايله رن بإشعار واتساب.

الشاشة كانت قدام الكل.

رسالة صوتية من أمه…

لكن بالغلط اتبعتت في جروب العيلة كله.

ثواني…

واتشغل التسجيل.

وخرج صوت الحاجة فوزية واضح وصريح:

— “يا ابني أنا سايبة الصالة مكركبة زي ما اتفقنا… أول ما تروح قول لنهى إنها مهملة وفاشلة. يمكن تفهم إنها ماتستاهلش كل اللي بتصرفه عليها.”

الوقت وقف.

وش أحمد اصفر.

أخته بطلت ضحك.

وشريف نزل الشوكة من إيده.

أما حماتي…

فكانت بتبص للموبايل كأنها نفسها الأرض تنشق وتبلعها.

وأنا واقفة مكاني.

إيدي محروقة.

وبنتي متعلقة في رجلي.

وابني دموعه نازلة.

والحقيقة أخيراً قعدت على السفرة معاهم.

سنين كاملة…

وأحمد مصدق كلام أمه عني.

إني كسولة.

ومهملة.

وبصرف فلوسه.

وما بعملش حاجة طول اليوم.

لكن دلوقتي…

الكل سمع بنفسه.

الفوضى ماكنتش صدفة.

والشكاوي ماكنتش نصايح.

والإهانة كانت متخطط لها من زمان.

بصيت لأحمد.

ولأول مرة شفته متردد.

قال بصوت واطي:

— “نهى…”

رفعت إيدي.

وقلت:

— “لأ.”

كلمة واحدة.

هادية.

لكن نهائية.

فكيت المريلة من عليا.

وحطيتها على الكرسي.

وشلت ملك.

ويوسف وقف جنبي من غير ما أقوله.

الحاجة فوزية قامت بسرعة وقالت:

— “أنا ماكنتش أقصد بالشكل ده.”

ابتسمت بسخرية.

الناس دايمًا بتقول كده بعد ما تتكشف.

مش بعد ما تجرح.

بعد ما تتفضح.

أحمد قام من مكانه.

وقال:

— “استني… نتكلم.”

بصيت للسفرة اللي حضرتها.

وللأكل اللي عملته.

وللراجل اللي صور إهانتي قدام الناس.

وبعدين بصيت لولادي.

وقتها عرفت مين أهم.

وقلت:

— “هنتكلم… لكن مش هنا. ومش قدام أمك. ومش وأنا بسيب ولادي يتعلموا إن الحب معناه إهانة.”

وساعتها…

كل اللي قاعدين فهموا إن حاجة كبيرة اتغيرت.

الست اللي كانوا متعودين إنها تسكت وتعتذر وتكمل خدمة…

وقفت.

وأول خطوة أخدتها بعد ما خرجت من البيت…

خلّت أحمد يختار بين أمه…

وبين الأسرة اللي كان على وشك يخسرها للأبد.

## الجزء الثاني
خرجت من باب الشقة والشنطة في إيدي، ساحبة يوسف من إيده وملك على كتفي بتعيط بصوت مكتوم. السلم كان ضلمة، والهدوء اللي في العمارة كان عكس البركان اللي بيغلي جوايا. كنت حاسة إن ضهري اللي كان بيوجعني من وقفة المطبخ فجأة اتفرد، مابقاش فيه حمل تقيل شايلاه غير كرامتي وكرامة عيالي.
ورايا على السلم، كنت سامعة صوت خطوات أحمد السريعة، وصوت زعاق أمه اللي جاي من شقته فوق وهي بتصرخ:
— “سيبها تغور! هترجع المطبخ راكعة لما تلاقي القرشين اللي في جيبها خلصوا!”
لكن أحمد ما سمعلهاش المرة دي. نزل يجري ورايا، وقفش إيدي قبل ما أوصل لباب العمارة. وشه كان قالب ألوان، وعرقه سايح، وفي عينه نظرة رعب عمري ما شفتها فيه قبل كده. المرعب بالنسبة له ما كانش إنه كسرني، المرعب إنه اتهز قدام إخواته ومراتاتهم، والبيت الكهير اللي كان عايش فيه دور السيد انهار فوق دماغه بمسج صوتي.
مسك كتفي وهو بنهج:
— “نهى، استني بس! رايحة فين في وقت زي ده بالعيال؟ امسحيها فيا، أمي ست كبيرة وغلطت، وأنا اتسرعت.. تعالي نطلع فوق ونقفل بابنا علينا ونحل الموضوع.”
بصيت لإيده اللي ماسكاني، وبصيت في عينه ببرود غريب عليا. أنا الست اللي كانت بتترعش لو صوته علي، الست اللي كانت بتقعد تعيط في المطبخ عشان حرقت الرز أو نسيت تشتري حاجة. النهاردة، البرود ده كان درعي.
قلتله وصوتي طالع من حتة غريقة وجامدة:
— “أشيل إيدك دي يا أحمد. أمك ما غلطتش، أمك نفذت اللي اتفقتوا عليه. وأنت ما اتسرعتش، أنت كنت مستمتع وأنت بتقل مني قدام الكل وبتصورني فيديو كأنك قفشت حرامي في بيتك. قفل الباب ده كان زمان، لما كنت ببلع الإهانة وأقول بكره يتعدل عشان العيال.. لكن العيال دلوقتي بقوا يشوفوا ذلي طاقة فرج ليهم، ويوسف وقف في وشك عشان يحميني، وأنا مش هسيب ابني يدفع تمن جبني.”
شديت إيدي منه بقوة، وفتحت باب العمارة وخرجت للشارع. الهوا الساقع خبط في وشي، وحسيت لأول مرة من سنين إني بتنفس هوا نضيف، مش كتمة المطبخ ومحاشي الست فوزية اللي مابتخلصش.
ركبت تاكسي، وطول السكة ملك كانت نامت على رجلي من كتر العياط، ويوسف ماسك إيدي جامد، صوابعه الصغيرة كانت بتضغط على كفي كأنه بيقولي “أنا معاكي يا ماما متخافيش”. روحت بيت أبويا. أبويا راجل على باب الله، معاشه يا دوب ممشيه، لكنه كان دايماً بيقولي: “يا بنتي لو الدنيا ضاقت بيكي، حيطة بيتي أولى بيكي من قهر الرجال.”
أول ما شافني على الباب بالمنظر ده، وبالحرق اللي في معصمي اللي بدأ يعلّم ويحمر، عينيه دمعت. ما سألنيش إيه اللي حصل، خد العيال في حضنه ودخلهم الأوضة، وجه قعد جنبي وطبطب على كتفي وقال:
— “نورتي بيتك يا بنتي.. ارتاحي، والكلام بكره.”
في الليلة دي، موبايلي ما سكتش. رنات ورا رنات من أحمد، ورسايل واتساب عتاب ولوم، وبعدها رسايل تهديد: “لو مارجعتيش الصبح، العيال دول مش هتشوفيهم، وأنا مش هصرف على ست سابت بيتها عشان شوية كلام.”
نمت وأنا حاضنة عيالي، والوجع اللي في إيدي من البشاميل السخن كان أرحم بكتير من الوجع اللي في قلبي. بس جوايا كلمة واحدة بتتردد: “مش هسكت تاني.”
تاني يوم الصبح، الساعة كانت عشرة، الباب خبط بقوة. عرفت دبة رجليه. أحمد كان واقف على الباب، ووراه شريف أخوه الكسيب، اللي واخد دور حلال المشاكل في العيلة.
أبويا فتح الباب، ورحب بيهم بأدب الشيوخ، ودخلوا الصالة. قعدت قدامهم وأنا لامة شعري ولابسة عباية سودا، وحاطة شاش على الحرق اللي في إيدي.
أحمد بدأ الكلام وهو باصص في الأرض، كأنه مكسوف من أبويا:
— “يا عمي، حصل سوء تفاهم، والبيوت مابتتخربش من أول خناقة. نهى شالت شيلتها وخرجت في نص الليل، وده ما يصحش في حقها ولا في حقي. أنا جاي أخد مراتي وعيالي، وبيتها مفتوح لها.”
أبويا بصلي، وسابلي الكلام. رفعت راسي وقلت:
— “سوء تفاهم يا أحمد؟ السوء تفاهم ده لما نختلف على مصروف البيت، لما نختلف على ميعاد خروج. لكن لما أمك تخطط معاك عشان تذلني، ولما تصورني فيديو تفضحني بيه قدام إخواتك عشان صينية مكرونة بردت عشر دقايق، ده اسمه قلة أصل.. واسمه إنك مابتعتبرنيش بني آدمة.”
شريف أخوه اتدخل، وقال بنبرة الواعظ:
— “يا أم يوسف، صلي على النبي.. البيوت أسرار، ومسج الواتساب ده كان لغبطة شيطان، والحاجة فوزية برضه في مقام والدتك، والست الأصيلة بتستحمل عشان مركب بيتها تمشي. أحمد شاري ومش عايز يخرب البيت.”
ضحكت بسخرية، نفس الضحكة اللي ضحكتها في المطبخ:
— “الست الأصيلة هي اللي تربي عيالها على الكرامة يا شريف. وأمك مش في مقام والدتي، أمي عمرها ما علمتني أكسر خاطر حد، ولا عمرها حطت خطة عشان تخرب بيت بنتها. أحمد مش شاري البيت، أحمد شاري الخدامة اللي بتطبخ وتغسل وتودي أمه للدكاترة وتوفر له فلوس الشغالة.”
أحمد اتعصب، وبدأ صوته يعلى:
— “نهى! الزمي حدودك وما تجيبيش سيرة أمي بكلمة وحشة! أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنتي من غيري ولا حاجة، هتصرفي على العيال دي منين؟ هتقعدي هنا حمل على أبوكي ومعاشه؟”
وقفت في مكاني، وبصيت له بكل ثقة:
— “ده بقى السؤال اللي كنت مستنياه. أنت فاكر إن الدنيا وقفت عندك عشان بتديني كام قرش في الشهر تمن اللقمة والهدوم؟ أنا ماليش رجوع للبيت ده يا أحمد، إلا بشرط واحد.. وشروطي المرادي هي اللي هتمشي.”
أحمد سكت، وبص لشريف كأنه مش مصدق إن نهى الضعيفة الواقفة قدامه هي دي اللي بتتكلم بالشكل ده.
— “شروط إيه يا ست نهى؟” أحمد قالها باستهزاء مخبي وراه قلق.
طلعت ورقة وقلم من جيب العباية، وحطيتهم على التربيزة قدامه:
— “أولاً: شقة مستقلة بعيد عن بيت عيلتك وعن أمك. مش هعيش في مكان تتدخل فيه في لقمة أكلي وشرب هدمتي.
ثانياً: مصروفي ومصروف العيال ينزل في حساب لوحدي كل أول شهر، مش هقعد أتحايل عليك عشان تمن البامبرز ولا كشكول المدرسة وتعايرني بيهم وتكوللي ‘بتتنفسي ببلاش’.
ثالثاً: الفيديو اللي أنت صورته يتمسح قدامي حالاً، وتعتذر لي قدام إخواتك ومراتاتهم في جروب العيلة بنفس الطريقة اللي أهنتني بيها.”
أحمد وشه احمر وعروق رقبتو ظهرت، وقام وقف:
— “أنتي اتجننتي يا نهى! عايزاني أعتذر لك قدام إخواتي؟ وأسيب بيت أمي اللي متربي فيه عشان خاطر دلعك؟ وأمشي بشروطك؟ أعلى ما في خيلك اركبيه.. والعيال دول مش هتشوفي منهم مليم، والمحاكم بيننا!”
أبويا وقف فجأة، وحط إيده على التربيزة وقال بصوت جهوري هز الصالة:
— “المحاكم ترحب بيك يا أحمد يا ابني. وبنتي مش هترجع لك مكسورة. واللقمة اللي هتاكلها هي وعيالها، أنا أولى بيها، ولو هبيع هدمتي مش هسيبها تذل نفسها لراجل ما عرفش قيمتها.”
أحمد بصلي بنظرة كلها غل، وخد أخوه وخرجوا ورزعوا الباب وراهم.
الشهور اللي بعد كده كانت أصعب شهور مرت عليا في حياتي. أحمد نفذ تهديده، قطع المصروف تماماً، وما بقاش يسأل على العيال، ولا حتى في التليفون. كان فاكر إن الجوع هيكسرني، وإن أبويا هيزهق من مصاريف يوسف وملك ويرجعني له راكعة.
لكن الصدمة اللي ما كانش متوقعها، إن الخبطة اللي ما تموتش تقوي.
أنا كنت خريجة كلية تجارة، بس السنين ووقفة المطبخ نسيوني شهادتي. نزلت دورت على شغل، في الأول اشتغلت في حضانة قريبة من البيت عشان أقدر أخد ملك معايا، وبعدها بشهرين، ربنا فتحها عليا وشفت إعلان عن وظيفة حسابات في شركة صغيرة. قدمت، وبفضل الله اتقبلت.
أول مرتب قبضته بإيدي، كان قليل، بس كان فيه بركة عمري ما حستها في الألوفات اللي كان أحمد بيمضيها عليا بذل. نزلت جبت ليوسف لبس المدرسة الجديد اللي كان نفسه فيه، وجبت لملك العروسة اللي طلبتها، ورجعت البيت حطيت الباقي في إيد أبويا.
أبويا بكى وقال: “النهاردة بس أنا ارتحت عليكي يا نهى.. بقيتي ست نفسك.”
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت رسالة على الواتساب من رقم غريب. فتحتها، لقيتها مرات شريف، أخو أحمد.
كانت كاتبة لي: “أزيك يا نهى.. حبيت أطمن عليكي وعلى العيال. البيت هنا مقلوب من يوم ما مشيتي. حماتي تعبانة وما لقتش حد يخدمها زي ما كنتي بتعملي، ومراتات إخواته رفضوا تماماً ينزلوا لها شقتها. وأحمد.. أحمد حالته تصعب على الكافر، البيت بقى مزبلة، وهو مش ملاحق على طلبات أمه وزعاقها، وكل يوم يدخلوا في خناقة بسبب المسج اللي فضحهم قدام العيلة كلها. هو بيسأل عليكي دايماً، بس كرامته منعاها يكلمك.”
قريت الرسالة وما ردتش. ابتسمت نفس الابتسامة الباردة. هما دلوقتي بيدوقوا من نفس الكأس اللي شربت منه سنين. كانوا فاكرين إن البيوت بتمشي بالتحكم والإهانة، وما عرفوش إن الست هي الروح اللي محليا المكان، ولما الروح تطلع، المكان بيموت.
بعد مرور ست شهور كاملة على خروجي، كنت قاعدة في الصالة بذاكر ليوسف، وملك بتلعب جنبي. الباب خبط. فتحت، لقيت أحمد واقف.
بس ما كانش أحمد بتاع زمان. كان خاسس، وشه بهتان، وهدومه مش مكوية زي ما كان متعود. أول ما شافني، عينه لمعت بدموع حقيقية المرة دي.
بص للأرض وقال بصوت كسرته واضحة:
— “نهى.. أنا تعبت. العيال وحشوني، وأنتي وحشتيني. البيت من غيرك ضلمة، ومحدش استحملني ولا استحمل أمي زيك. أنا عرفت قيمتك متأخر، وبطلب منك السماح.”
بصيت له، وحسيت إن الوجع القديم مابقاش له أثر، حل محله قوة وثقة.
قلت له:
— “أنا سامحتك يا أحمد عشان نفسي وعشان خاطر العيال ما يشيلوش كره في قلوبهم.. بس السماح حاجة، والرجوع حاجة تانية خالص.”
أحمد قرب خطوة وقال بلهفة:
— “أنا موافق على كل شروطك.. الشقة الجديدة جاهزة، ومصروفك هينزل في حسابك، والاعتذار.. أنا مستعد أعتذر لك قدام الدنيا كلها.”
بصيت ليوسف اللي كان واقف ورايا بيبص لأبوه بنظرات كلها ترقب، وبصيت لملك. اللحظة دي كانت هي المفترق.. هل شروطه ورجوعه كافيين لترميم اللي انكسر؟ ولا الست اللي داقت طعم الحرية والاعتماد على النفس مابقاش ينفع ترجع لقفص حتى لو كان دهب؟
قلتله وأنا باخد نفس عميق:
— “الكلام ده كان ينفع من ست شهور يا أحمد.. دلوقتي، أنا اتغيرت. والست اللي أنت عايز ترجع لها مابقتش موجودة. لو عايزني أرجع، مش كفاية تغير الشقة.. لازم تتغير أنت الأول من جوه، وتعرف إن الجواز مش تملّك، والست مش جارية.. لسه قدامك طريق طويل عشان تثبت لي إنك تستاهل ترجع لبيتك وعيلتك.”
حطيت إيدي على الباب، وبدأت أقفله بالراحة وهو واقف مكانه مذهول، مش مصدق إن “نهى” بقت هي اللي بتحدد المواعيد والشروط، وهي اللي في إيدها كلمة النهاية.. أو بداية جديدة تماماً.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *