بعـد شهـر من جـوازي ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

ـ من غير ما تقولي؟ ومن غير ما تاخد رأيي؟!
هز كتافه بلا مبالاة وقال:
ـ بعته وخلاص!
الكلمة نزلت عليا زي السك..ينة اللي بتشق صدري.. بعته وخلاص؟ بالبساطة دي؟
ـ ده حقي!
ـ وإيه يعني؟
ـ السلسلة اللي بابا جابهالي كانت فيهم!
ـ ما كله اتمسح بقى.. كله اتبّاع.
صوتي علي وغضبي طلع:
ـ إنت ازاي تعمل كده؟ إنت إزاي بالبشاعة دي؟
فجأة وشه اتقلب، وبص لي بنظرة عمري ما شفتها فيه.. نظرة باردة، قاسية، تخوف.. وقال بصوت حاد:
ـ عاجبك الوضع ده أهلاً وسهلاً.. مش عاجبك؟ اتفضلي على بيت أهلك!
حسيت إني حلم، مش قادرة أصدق:
ـ بتقول إيه؟
ـ عرفتك على حقيقتك يا سلمى.
ـ حقيقتي أنا؟ عشان بطالب بحاجتي اللي اتسرقت؟
ـ الزوجة الأصيلة بتقف جنب جوزها في زنقته.
ـ مش تسرقها يا أحمد!
الكلمة قطعت النفس في الصالة.. حماتي شهقت، وحمايا وقف، وأحمد قرب مني خطوة وصوته بقى واطي ومخيف:
ـ لمي لسانك وخلي بالك من كلامك.
رجعت خطوة لورا وأنا حاسة برعب.. لأول مرة أخاف منه.. مش زعل ولا قهر، ده خوف حقيقي من بني آدم مابقيتش عارفاه. الوش الحنين والضحكة والحب.. كل ده اتمسح، وبقيت بشك إن كان فيه حب أصلاً.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
طلعت جري على أوضتي وأنا منهارة، قفلت الباب وقعدت على السرير أعيط بحرقة.. والله ما كنت بعيط على الدهب، كنت بعيط على نفسي، على البنت المغفلة اللي صدقته، البنت اللي حلمت ببيت وأمان، البنت اللي افتكرت إنها بدأت حياة جديدة مع راجل يحميها…
وفي وسط دموعي، لمحت طرف ورقة صغيرة خارج من جيب الجاكيت بتاعه اللي كان راميه على الكرسي. في الأول قلت مش مهم، بس في فضول قاتل حركني.. مديت إيدي وسحبتها.
كان إيصال بيع.. قلبي كان هيقف وأنا بفتحه.. ولما قريت الاسم المكتوب فيه.. صرخت كتمت الصرخة في صدري!
الشخص اللي اشترى الدهب مش محل مجوهرات، ولا تاجر دهب أصلاً.. ده اسم راجل غريب عمري ما سمعت عنه في حياتي… حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
بس الصدمة اللي شلت تفكيري كانت في “المبلغ” المكتوب تحت.. المبلغ كان ضخم جداً، أكبر بكتير من قيمة دهبي كله.. وده معناه حاجة واحدة بس.. إن في مصيبة تانية اتباعت مع الدهب ده
وقفت مكاني متسمرة، الورقة بتتهز في إيدي زي ما قلبي بيتهز بين ضلوعي. المبلغ المكتوب مش مجرد تمن دهب، ده مبلغ يشتري شقة تانية! قعدت على طرف السرير، وعيني مش قادرة تبعد عن الرقم، بحاول أربط الخيوط ببعضها، بس كل خيط بيوصلني لمتاهة أصعب من اللي قبلها.
لو كان باع دهبي عشان “الزنقة” زي ما بيقولوا، كان هيبيعه لتاجر دهب أو صايغ، مش لواحد غريب، وبمبلغ خيالي زي ده! مين الراجل ده؟ وليه أحمد باع دهبي مع “حاجة تانية” عشان يوصلوا للمبلغ ده؟
قطعت تفكيري خبطة قوية على باب الأوضة، صوت أحمد رجع يتردد في ودني، بس المرة دي كان مصحوب بنبرة أمر:
ـ سلمى! افتحي الباب.. إحنا لينا كلام كتير نخلصه.
رميت الورقة بسرعة في شنطة هاند باج كانت محطوطة جنبي، وداريتها تحت هدومي، وقمت مسحت دموعي بسرعة. دخلت الحمام غسلت وشي، وبصيت في المراية.. كنت بحاول أطمن نفسي إني لازم أكون قوية، لازم أعرف الحقيقة، لأن اللي بيحصل ده مش مجرد سرقة دهب.. دي حياة كاملة بتتدمر قدامي.
فتحت الباب وخرجت، كان واقف في الصالة، بيشرب سجاير ورا بعض، ملامحه متوترة، حتى وهو بيحاول يبان واثق. بص لي من فوق لتحت، وسأل بنبرة خالية من أي مشاعر:
ـ بطلتي عياط؟
ـ هو ده اللي يهمك؟ إني بطلت عياط؟
سكت شوية وبعدين قرب مني، صوته بقى واطي ومسموم:
ـ سلمى، اسمعيني كويس. اللي حصل حصل، والدهب ما بقاش موجود. لو عايزة تعيشي معايا، لازم تنسي سيرة الدهب دي خالص، وتنسي إنك شفتي إيصال، وتنسي إن فيه أسئلة في دماغك. إحنا هنبدأ صفحة جديدة، صفحة مفيهاش “أسئلة فضولية”.
ضحكت ضحكة وجع، ولقيت نفسي بقوله بصوت مسموع وواثق:
ـ صفحة جديدة؟ إنت مفكرني غبية؟ إنت بعت دهبي لواحد غريب، وبمبلغ كبير.. ده معناه إن فيه “بضاعة” تانية اتباعت في الصفقة دي. مين الراجل ده يا أحمد؟ وإيه اللي بعته مع دهبي؟
وشه اتغير تماماً، دموع عينيه احتقنت بالدم، وبسرعة البرق كان ماسك دراعي وبيضغط عليه لدرجة إني حسيت العضم هيتكسر:
ـ قلتلك لمي لسانك! إنتي فاكرة نفسك فين؟ إنتي هنا في بيتي، وبكلمة واحدة مني أرجعك بيت أبوكي مطلقة ومكسورة!
اتألمت بس ما صرختش، بصيت في عينه بكل جرأة:
ـ طلقني.. لو ده اللي هيخليني أرتاح من الكابوس اللي أنا فيه، طلقني! بس اعرف إني مش هسكت على حقي، والورقة اللي في إيدي دي…
سكتت فجأة لما شفت نظرة الرعب اللي بانت في عينه قبل ما يحاول يداريها. هو عارف.. عارف إن الورقة دي هي خيط النجاة بتاعي، وهي في نفس الوقت حبل المشنقة اللي ممكن يلف حوالين رقبته.
سحب إيده بعنف، وبص لي بنظرة محيرة، ما بين تهديد وخوف:
ـ ورقة إيه؟ إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟
ـ الورقة اللي في إيدي، اللي فيها اسم الراجل والمبلغ.. أنا هعرف أوصل للحقيقة يا أحمد، ولو كان دهبي تمن لشيء أكبر، هعرف إيه هو الشيء ده.
سكت، ملامحه اتجمدت، وبص لي نظرة أخيرة قبل ما يسيب الصالة ويخرج ويقفل الباب وراه بكل قوته، لدرجة إن البيت اتهز.
وقفت لوحدي في الصالة الضلمة، حاسة ببرد غريب رغم الحر. مسكت الموبايل، وفتحت صفحة السوشيال ميديا اللي كنت بديرها، وبدأت أدور في “الأسماء” اللي ظهرت في سجل بحثي القديم، يمكن ألاقي اسم الراجل ده.
قلبت في الصفحات، وأنا بفتكر كل تفصيلة صغيرة في الأيام اللي فاتت.. حماتي وهي بتتهرب، حمايا وهو بيتكلم ببرود.. الموضوع أكبر من مجرد مشاكل جواز، ده فيه سر مدفون ورا الحيطان دي، سر بيتباع ويشتري بالدهب والذكريات.
فجأة، تليفوني رن.. رقم غريب. رديت بتردد:
ـ ألو.. مين معايا؟
صوت ست كبير.. صوتها كان مبحوح، فيه نبرة خوف وتوتر:
ـ سلمى؟ أنتي سلمى، مرات أحمد؟
تجمدت في مكاني، مين دي؟ وإزاي عارفة اسمي؟
ـ أيوه، مين حضرتك؟
ـ اسمعيني كويس يا بنتي.. ما تسأليش أنا مين، بس أنا عارفة اللي حصل، وعارفة بالصفقة اللي جوزك عملها.. لو عايزة تعرفي الحقيقة، وعايزة ترجعي اللي ضاع منك، قابليني بكرة الصبح عند “سوق كفر الزيات” القديم.. عند المخزن اللي ورا…
قبل ما تكمل، الخط قطع. حاولت أتصل تاني، بس الرقم كان غير متاح. قعدت في مكاني، أفكاري بتغلي.. السوق؟ المخزن؟ أحمد، وحماتي، والراجل الغريب.. كلهم حلقة في سلسلة واحدة.
قررت في اللحظة دي، إن سلمى البنت الضعيفة اللي كانت بتعيط في الأوضة، ماتت. اللي موجودة دلوقتي ست تانية، ست شايلة جوه قلبها وجع كبير، بس ورا الوجع ده، عقل بيخطط، وإرادة مستعدة تحرق الدنيا عشان توصل للحقيقة.
لبست عبايتي، وربطت شعري، وخرجت من البيت وأنا عارفة إن دي أول خطوة في طريق لا رجوع فيه. بكرة الصبح، لازم أروح للسوق.. لازم أعرف مين اللي كلمني، وأيه سر المبلغ اللي كان مكتوب في الإيصال، وليه أحمد مستعد يبيع كل حاجة عشان يغطي على “البضاعة” دي.
خرجت من باب العمارة، الشارع هادي، والناس نايمة، بس جوايا عاصفة. مشيت في الطريق، عيني بتراقب كل خيال، خايفة أحمد يكون بيلحقني، بس في نفس الوقت، القوة اللي حسيت بيها في صدري كانت أكبر من أي خوف.
بكرة مش يوم عادي.. بكرة هو اليوم اللي هعرف فيه، أنا اتجوزت مين، وهل كان حبي له مجرد سراب وسط حياة مليانة خيوط مخفية؟ بكرة هكشف المستور، حتى لو التمن كان حياتي كلها.
