البنت كبيرة مالهاش حق تتعب ج 4 والأخير

## الفصل السادس وقبل الأخير
صوت خطوات السلم كان بيبان في هدوء الليل زي دقات ساعة الموت. تكة.. تكة.. تكة.. وكل خطوة بتقرب من شقة فرح كانت بتسحب معاها حتة من قلبها. فرح كانت واقفة ورا الباب، ماسكة السكينة في إيدها، وإيدها التانية على الترباس.
نفسها كان عالي، والضلمة اللي في ممر العمارة مكانش منورها غير لمبة صفرا ضعيفة بتعشّق من خرم الباب. الخطوات وقفت برّه.
فرح همست بصوت يدوب طالع:
— “مين؟”
— “افتحي يا فرح.. أنا شادية.. والله ما هأذيكي يا بنتي.. أنا جاية أنقذك من عاصم.”
الريتم بتاع الصوت مكنش فيه غدر، كان فيه كسر نفس ووجع ست مجروحة. فرح خدت نفس طويل، وسمّت بالرحمن، وفتحت القفل والترباس بالراحة. الباب اتفتح وخيّم ضل الست على عتبة الشقة.
كانت ست في الأربعينات، وشها باين عليه العز بس مطفي، ولابسة عباية سمرا وشال مخبي نص وشها. دخلت بسرعة والالتفاتة وراها كانت بتقول إنها مرعوبة من حد ماشي وراها. فرح قفلت الباب فوراً ورجعت الترباس مكانه.
شادية قعدت على أقرب كرسي في الصالة وهي بتنهج، وحطت شنطة جلد صغيرة على حجرها وضمتها ليها كأنها شايلة واد رضيع. فرح وقفت قصادها والسكينة لسه في إيدها:
— “انتي مين بقى.. وإيه علاقتك بعاصم؟”
شادية رفعت راسها وبصت للسكينة اللي في إيد فرح، وابتسمت بمرارة:
— “شيلي السكينة دي يا بنتي.. عاصم مابيتحاربش بسكاكين المطبخ.. عاصم بيتحارب بالورق. أنا شادية عبد المطلب.. مراته اللي اتجوزها في دبي من سبع سنين. دخلت معاه بشقى عمري كله في شركة مقاولات هناك.. وباع واشترى فيا، وفي الآخر سرق شقايا وفلوس الشركاء، وزوّر توقيعي على شيكات هرب بيها على هنا لما لقاني هسجنه.”
فرح قربت وقعدت على الكنبة اللي قصادها، والفضول والخوف واكلينها:
— “وطالما هو عمل فيكي كل ده.. جايةالي أنا ليه؟ وجبتي عنواني منين؟”
شادية فتحت الشنطة وطلعت منها ورق وملفات:
— “جيت لك عشان عاصم ملوش أمان.. وعرفت عنوانك من الجرايد وقض..ية حسن وأمينة اللي قالبة الدنيا. عاصم لما عرف بموت أخوكِ كريم وتركتكم، مكانش جاي يلم الشمل.. عاصم عليه أحكام غيابية بالحبس في الإمارات.. وممنوع من السفر وهناك طالبين تسليمه عن طريق الإنتربول. الفلوس اللي عاوز ياخدها من تحت إيدكم دي مكانش هيصرفها عليكم.. ده كان هياخدها ويزور باسبور جديد ويهرب على دولة تانية مفيهاش تسليم مجرمين!”
فرح عينيها وسعت: “يعني هو عليه أحكام ومطلوب بره؟”
شادية حطت إيدها على الورق وضغطت بقوة:
— “الورق ده فيه تفاصيل الحسابات السرية اللي سرقها، وصور الأحكام الرسمية المختومة من ورازتي العدل والخارجية هناك، ومعايا كمان ورق يثبت إن عاصم هو اللي كان بيوز حسن وأمينة من سنين عشان يزوروا شهادات ميلادكم!”
الصدمة دي كانت تقيلة على فرح.. لفت بدماغها وسألتها بذهول:
— “عاصم؟ عاصم اللي وز حسن وأمينة؟”
— “أيوه..” شادية ردت بغل: “حسن مكانش عنده الدماغ ولا الجرأة يعمل الليلة دي كلها لوحده.. عاصم هو اللي جابله الموظف المرتشي بتاع السجل المدني من 12 سنة عشان يقيدكم بأسمائهم، وكان متفق مع حسن إنه ياخد نصيب من الفلوس من تحت لتحت.. ولما حسن طمع ومبقاش يديله، عاصم سابه وسافر.. ودلوقتي رجع عشان ياخد التورتة كلها لوحده بعد ما حسن وأمينة غرقوا!”
فرح كانت بتسمع والدم بيغلي في عروقها. العيلة دي مكنتش عيلة.. دول كانوا عصابة ذئاب، وكل ذئب كان بيستنى التاني يقع عشان يأكل اللي باقي من اللحم.
في اللحظة دي، تليفون شادية اللي جوه الشنطة رن بصوت عالي وجرس غريب. شادية اتخضت ووشها اتقلب أصفر:
— “ده هو.. ده عاصم!”
فرح همست برعب: “ردي.. ردي وشغلي الاسبيكر.. بس أوعي تحسسيه بحاجة.”
شادية إيدها كانت بترتعش وهي بتفتح الخط وشغلت الصوت. صوت عاصم جه جهوري ومليان فحيح ثعابين:
— “انتي فين يا شادية؟ رجالتنا قالولي إنك خرجت من الفندق من ساعتين.. افتكرتي إنك لما تهربي في مصر مش هعرف أجيبك؟”
شادية حاولت تظبط صوتها وقالت بنشفان ريق:
— “أنا متهربتش يا عاصم.. أنا بشتري شوية حاجات وراجعة.. عايز مني إيه تاني؟”
— “عايز الورق اللي معاكي يا حلوة.. الورق ده لو وصل للمستشار أحمد الهواري أنا هروح في داهية.. وانتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه.. أنا دلوقتي قدام بيت بنت كريم.. فرح.. وجاي آخد الوصاية بطريقتي.. لو الورق مجاش في إيدي قبل الصبح، مش هتشوفي النور تاني.. والبنت وإخواتها هيحصلوا أبوهم وأمهم في الترب!”
الخط قطع فجأة.
شادية بصت لفرح والاتنين اتسمروا مكانهم. فرح جريت على الشباك اللي باصص على الشارع بالراحة، ووربت الشيش وبصت تحت.
الدنيا كانت ضلمة وكحل، والساعة داخة على تلاتة الفجر. تحت عمود النور المطفي، كانت واقفة عربية مرسيدس سودا.. وواقف جنبها عاصم، وحواليه اتنين رجالة ضخام البنية، وباصين لفوق.. باصين لشقة فرح!
الرعب شل فرح للحظات. عاصم مكنش بيهزر.. الراجل ده مابقاش باقي على حاجة، وظهره للحيطة.. وضهره للحيطة يعني مستعد يرتكب جناية قتل عشان يداري على بلاويه ويهرب برة البلد بالفلوس.
جريت فرح على تليفونها، وإيدها بتترعش طلبت نمرة المستشار أحمد. الخط فضِل يرن.. يرن.. مفيش رد. الراجل نايم والتليفون صامت.
— “يارب.. يارب أعمل إيه؟” فرح عيطت بضعف وهي بتبص لأوضة إخواتها. يوسف صحي على صوت الهمس وخرج وهو بيفرك في عينيه:
— “ماما فرح.. أنا عطشان.. ومين طنط دي؟”
فرح جريت عليه وحضنته وكتمت بوقه بالراحة: “ششش.. حبيبي ادخل جوه واقفل الباب على إخواتك ومتفتحش خالص.. يلا يا يوسف بالراحة.”
شادية وقفت وقالت برعب: “إحنا لازم نطلب البوليس يا فرح!”
— “البوليس هياخد وقت على ما ييجي ويوصفوا العنوان في الحواري دي.. وعاصم ورجالته ممكن يكسروا الباب في دقيقتين!” فرح ردت بعقل شغال وسط الحريقة.
بصت لشادية وللملف اللي معاها: “انتي معاكي أصل الورق ده واللا صور؟”
شادية: “معايا الأصول ومعايا فلاشة عليها كل التحويلات السرية وصور الأحكام.”
فرح مسكت الفلاشة وحطتها في جيبها، وأخدت الأوراق وحطتها في كيس أسود. لفت لمحمود اللي كان صحي هو كمان على الصوت وخرج ووشه مليان قلق:
— “فيه إيه يا أبله؟”
— “محمود.. اسمعني كويس ومتناقشنيش.” فرح مسكت كتف أخوها وضغطت عليه: “عاصم واقف تحت ومعاه رجالة وعايزين يكسروا الشقة. أنا هخرج أنا وطنط شادية من باب السطوح وننزل من البيت القديم اللي لازق فينا.. انت هتقعد هنا مع إخواتك، وتقفل الباب بالجنزير.. لو سمعت أي صوت بره، ادخلوا كلكم الحمام واقفلوا عليكم واصرخوا من الشباك عشان الجيران يتلموا.. فاهم يا محمود؟”
محمود عيط: “لأ يا أبله مش هسيبك تخرجي لوحدك!”
— “عاصم عايز الورق اللي معايا وعايزني أنا عشان يضغط عليا.. طول ما أنا مش هنا، مش هيقدر يلمسكم عشان الجيران.. أنا لازم أخرج بالورق ده وأوصله للمستشار أحمد أو لأقرب قسم بوليس.. امسك السكينة دي وخليك راجل.. احمي إخواتك يا محمود لحد ما أرجع.”
فرح أخدت شادية، وطلعوا على السلم الداخلي للعمارة المؤدي للسطوح. الجو كان ساقعة والهوا بيصفر في ودنهم. السطوح كان مليان كراكيب وخشب قديم. الشقة كانت لازقة في بيت قديم ومهجور من بيوت مصر القديمة، والمسافة بين السطحين يدوبك متر ونص.
— “يلا يا طنط شادية نطّي!” فرح همست وهي بتزقها.
شادية كانت خايفة ورجليها بتترعش، بس الخوف من عاصم كان أكبر.. نطت شادية ووقعت على السطح التاني وفرح نطت وراها بخفة رشاقتها كبنت صغيرة متعودة على شقى البيوت.
نزلوا من سلم البيت المهجور المكسر وسط التراب والعنكبوت، لحد ما خرجوا من باب جانبي ضيق بيفتح على حارة وراانية ضلمة.
فرح كانت بتجري وشادية وراها بتلهث. مكنش فيه رجوع.. الحارة كانت فاضية، وفجأة، صرخة شادية قطعت الصمت:
— “فرح!! خدي بالك!”
من أول الحارة، ظهر واحد من رجالة عاصم.. كان واقف ومترصد ليهم، والظاهر إن عاصم مكنش غبي، وكان مأمن المداخل والمخارج بتاعة البيت. الراجل جري عليهم وزي الرهوان: “تعالي هنا يا بت انتي وهي!”
شادية صرخت واتكعبلت ووقعت على الأرض. فرح مكنتش قادرة تسيبها، بس شادية زعقت فيها وهي بتبكي:
— “اجري يا فرح!! اجري بالورق والفلاشة.. متخليهوش ياخدهم.. اجري على المستشار أحمد!”
الراجل مسك شادية من شعرها وقومها، وبص لفرح اللي كانت واقفة للحظة مشلولة. الغريزة بتاعت البقاء وحماية إخواتها صرخت جواها: “اجري!”.
لفت فرح وجريت بأقصى سرعة عندها. رجليها كانت بتخبط في الحجارة بتاعت الحارة القديمة، والكيس الأسود ضماه لـ صدرها كأنه حتة من روحها. كانت بتسمع صوت خطوات الراجل التاني وهو بيجري وراها ويوجه كشافه عليها.
خرجت من الحارة الضيقة للشارع العمومي بتاع مصر القديمة.. الشارع كان فاضي برضه، بس كان فيه نور بعيد.. نور عربية شرطة (دورية ليلية) واقفة عند أول الميدان.
فرح جريت بكل ما أوتيت من قوة.. نفس الصدر كان بيحرقها، ورجليها مابقتش حاسة بيها. الراجل كان خلاص قرب يمسك طرف عبايتها السمرا..
— “يا حضرة الضابط!!! ألحقنييييييي!!” فرح صرخت بأعلى صوت عندها وهي بترمى نفسها قدام عربية البوليس الواقفة.
العربية فرملت بصوت عالي، والعساكر والضابط نزلوا بسرع وسلا..حهم في إيديهم. الراجل اللي كان بيجري وراها وقف فجأة، ولف ضهره وحاول يهرب في الحواري، بس العساكر جريوا وراه وقفلوه.
الضابط مسك فرح اللي كانت واقعة على الأرض وبتنهج وبتبكي بهستيريا:
— “في إيه يا بنتي؟ مين ده؟ وانتي مين؟”
فرح رفعت الكيس الأسود وإيدها بتترعش:
— “أنا فرح كريم السيوفي.. وعمي عاصم السيوفي بيهدد يموّت إخواتي في الشقة.. ومعايا الورق اللي يثبّت جناياته.. أرجوك يا فندم الحق إخواتي الشقة مقفولة عليهم تحت!”
الضابط أول ما سمع الاسم عرف القض..ية فوراً لأنها كانت شاغلة الرأي العام بقالها أسابيع. ركب فرح معاه في العربية، وفتح السرينة (السرينة ضربت في هدوء الليل)، وطلعت تلات عربيات بوكس ورا بعض باتجاه الشقة.
الصوت بتاع السرينة كان بيرج الحي كله. وصلوا تحت العمارة.. المنظر كان مرعب.
باب العمارة الأرضي كان مكسور، والعربية المرسيدس بتاعة عاصم لسه واقفة، بس الباب بتاعها مفتوح. فرح نزلت تجري زي المجنونة والضابط والعساكر وراها بسلا..حهم.
طلعوا السلم.. وباب شقة فرح كان مخلوع بالعتلة!
فرح دخلت الشقة وهي بتصرخ: “محموووود!! يووووسف!! سلمى!!”
الشقة كانت مقلوبة.. الكراسي مكسرة، والحاجات مرمية في الأرض. وفي نص الصالة.. كان واقف عاصم السيوفي.. ماسك محمود من رقبته، ومحمود وشه أحمر ومخلوق، والسكينة ميرمية على الأرض ونازف منها دم خفيف من إيد محمود. باقي الأطفال الخمسة كانوا مستخبيين ورا الكنبة وبيصرخوا برعب وهيستيريا.
عاصم أول ما شاف الضابط والعساكر داخلين وفرح معاهم، وعينيه بقت زي المجنون، ضغط على رقبة محمود أكتر وقال بصوت مرعب:
— “محدش يقرب!! لو حد خطى خطوة واحدة هخلص على الواد ده هنا!! هاتوا الورق وهاتوا الفلاشة وسيبوني أمشي.. وإلا دم العيل ده هيبقى في رقبتكم!”
الضابط رفع مسدسه وثبته على عاصم: “سيب الواد يا عاصم.. انت محاصر ومفيش مخرج ليك.. الورق اللي معاها كفيل يسجنك بقية عمرك، متزودش جناية قتل في ملفك!”
عاصم ضحك ضحكة جنونية وبدأ يرجع لورا بالواد ناحية البلكونة:
— “أنا كده كده ميت!! السجن هناك بره واللا هنا واحد.. مش هطلع من هنا فاضي.. يا الفلوس والورق.. يا روح الواد ده!”
فرح كانت واقفة، وبتبص لأخوها الصغير اللي عينه بتطلع في الروح وبيقولها بنظرة أخيرة: “أبله فرح.. سامحيني.. مقدرتش أحميهم..”
فرح بصت للكيس الأسود اللي في إيدها.. وبصت لعاصم.. واللحظة دي كانت هي اللحظة اللي هتحدد مصير عيلة السيوفي كلها.. يا تضحي بالورق والعدالة عشان تعيش في تهديد طول عمرها.. يا يحصل حاجة مكنتش في الحسبان…
يتبع في الفصل السابع والأخير…
## الفصل السابع والأخير
الزمن وقف في الصالة. صوت صريخ يوسف وسلمى والتوأم مريم ومنى وكريم الصغير كان جاي من ورا الكنبة المقلوبة زي زقزقة عصافير بتقع من عشتها وسط عاصفة. محمود وشه بقا أزرق، وصوابع عاصم الغليظة كانت حافرة في لحم رقبته الصغير، وعاصم عينه مبرقة وبتلف في المكان زي الديب المحبوس في مصيدة.
فرح كانت واقفة في النص، الكيس الأسود ضماه لـ صدرها بقوة لدرجة إن ضوافرها علّمت في الجلد. الضابط مثبت طبنجته على عاصم، والعساكر ماليين الممر، والكل كاتم نفسه.
— “هات الورق يا فرح!” عاصم زعق، وصوته طلع بشرخ مرعب هز حيطان الشقة: “ارمي الكيس ده هنا واقفي ورا.. وإلا قسماً بالله هرمي الواد ده من البلكونة وأرمي نفسي وراه! أنا معنديش حاجة أخسرها!”
فرح بصت لمحمود. محمود مكنش قادر يتنفس، بس عينيه المدمعة كانت باصة لأخته الكبيرة.. باصة للأم اللي شالته وهو لسه حتة لحمة حمرا.. النظرة مكنتش نظرة عيل خايف، كانت نظرة حد بيقولها: “متسيبيهوش يكسب يا أبله”.
في اللحظة دي، فرح حست إن روح أبوها كريم وأمها منى واقفين وراها. حست بوجع السنين، وبالهالات السودة، والشرابات الضايعة، وسفر الساحل، وتزوير الشهادات، وتعب تيتة فاطمة اللي ماتت مقهورة. كل الوجع ده اتمكثف في عروقها وبقى قوة عمياء.
نزلت الكيس الأسود بالراحة على الأرض، ورجعت خطوة لورا وهي بتبص لعاصم بثبات غريب:
— “الورق أهو يا عاصم.. الفلوس والعمارات والشركات كلها أهي.. خدها.. بس سيب محمود.”
عاصم عينه لمعت بجوع وشهوة للمال، ورخي إيده سنة صغيرة عن رقبة محمود عشان يمد إيده التانية ياخد الكيس.
في اللحظة دي.. اللحظة اللي تركيز عاصم كله اتنقل للأرض.. محمود أخد نفسه، وبكل ما أوتي من غل طفولي، وطى راسه وعض عاصم في كف إيده بكل قوته لدرجة إن سنانه غرزت في اللحم.
— “آآآآآه! يا ابن…” عاصم صرخ وساب محمود فجأة وهو بيمسك إيده اللي بتنزف.
محمود اترمى على الأرض وزحف بسرعة، وفرح جريت عليه وخدته في حضنها ورا ضهر الضابط. وفي نفس الثانية، الضابط والعساكر هجموا على عاصم زي الأسود. عاصم حاول يقاوم ويضرب برجليه ويدافع عن نفسه بجنون، بس تلات عساكر ضخام نزلوا فوقيه، وتكة الكلبشات الحديدية رنت في الصالة.. بس المرة دي كانت التكة الأخيرة اللي بتعلن نهاية الكابوس.
عاصم كان منبطح على بطنه في الأرض، ووشه ملزوق في البلاط والتراب، وبيفحت في الأرض بغل وهو باصص لفرح:
— “مش هسيبكم.. مش هسيبكم تتهنوا بالمليم!! الفلوس دي بتاعتي.. دي تركة عيلة السيوفي!”
الضابط شده من قفاه وقومه بعنف:
— “بس يا متهم.. تركة السيوفي هتروح لأصحابها الشرعيين.. وانت مكانك جنب أخوك حسن ومراته في الليمان.. قدامي!”
العساكر أخدوا عاصم ونزلوا بيه، والضابط التاني كان جاب شادية من تحت بعد ما العساكر لحقوها من الراجل التاني اللي كان ماسكها في الحارة. شادية دخلت الشقة، هدومها متبهدلة وتراب، بس عينيها كانت بتلمع بدموع النصر. بصت لفرح وجريت عليها حضنتها:
— “عملناها يا فرح.. عملناها يا بنتي.. حقه اتأخد، وحقكم رجع.”
فرح سابت شادية، ولفت لإخواتها الستة.
يوسف ومنى ومريم وسلمى وكريم ومحمود.. كلهم جريوا عليها وارتموا في أحضان بعض. الصالة املت بصوت عياط ونشيج، بس مكنش عياط خوف.. كان عياط فرحة.. عياط حد كان غرقان في قاع البحر وأخيرًا راسه طلعت فوق المية وشاف الشمس.
بعد الليلة دي بأسبوعين.. الدنيا اتقلبت موازينها تماماً.
المستشار أحمد الهواري مكنش بينام. بفضل الأوراق الرسمية والأصول والفلاشة اللي جابتها شادية، النيابة العامة قفلت القض..ية من كل النواحي. عاصم اتقدم للمحاكمة العاجلة بتهم خطف، وترويع، وتزوير، ومحاولة قتل، وانضم لحسن وأمينة في السجن المحكوم عليهم بـ 15 سنة سجن مشدد مع الشغل والنفاذ. الموظفين المرتشين في السجل المدني ومكتب الصحة اتجابوا كلهم من بيوتهم ولبسوا البدلة الزرقا.
المحكمة أصدرت القرار التاريخي والأهم لعيلة السيوفي:
إلغاء شهادات الميلاد المزورة بالكامل، وإعادة قيد الأطفال السبعة في سجلات الدولة بأسماء والديهم الحقيقيين: “كريم رأفت السيوفي” و”منى عبد الرحمن فاطمة”.
والأهم.. صدر قرار بتعيين المستشار أحمد الهواري كوصي قانوني ومالي على الأطفال، مع إعطاء فرح حق الإدارة المشتركة لحياتهم اليومية كشقيقة كبرى بدعم من وزارة التضامن الاجتماعي.
الزمان: بعد ستة أشهر من العاصفة.
المكان: شقة واسعة ونضيفة في حي التجمع الخامس، بتطل على حديقة خضرا والشمس بتدخلها من كل مكان.
الشقة دي كانت من ضمن الأملاك اللي المستشار أحمد قدر يستردها من الشركات اللي حسن وعاصم كانوا بايعينها بعقود مزورة. المحكمة حكمت ببطلان كل البيوع، والفلوس والأصول رجعت بالكامل لحساب القُصّر في البنك تحت إشراف المجلس الحسبي.
فرح كانت واقفة في المطبخ الواسع والنظيف. مكنتش لابسة العباية السودا المبهدلة.. كانت لابسة فستان رقيق يناسب سنتها الـ 15 اللي كملتها من أيام. وشها مكنش فيه الهالات السودة المقبضة، عينيها كانت رايقة، وبشرتها رجع لها دم الطفولة والشباب.
كانت بتعمل كيكة بالفراولة.. مش سخرة، ولا عشان خايفة من عقاب أمينة، كانت بتعملها بحب وعزيمة.
— “أبله فرح! أنا جهزت الشنطة واللبس بتاع التمرين!”
محمود اللي دخل، كان لابس ترنج النادي الأهلي، وجسمه بدأ يتفرد ويبقى رياضي.. مبقاش الواد الخايف المنكمش.
— “شاطر يا حودة.. خد حتة الكيكة دي كلها قبل ما تنزل.. وبص على إخواتك شوفهم خلصوا لبس ولا لسه.”
في الصالة، التوأم مريم ومنى كانوا قاعدين على مكتب كبير وبيذاكروا مع مدرسة خصوصية عشان يلحقوا اللي فاتهم في المدرسة، وضحكاتهم كانت مسموعة ومالية البيت. سلمى الصغيرة، اللي كانت دخلت في صمت اختياري، كانت قاعدة على السجادة وبتلعب بالمكعبات مع الأخصائية النفسية مروة، وفجأة بصت لفرح وقالت بصوت واضح وعالي:
— “أبله فرح.. أنا عملت بيت كبير بالمكعبات.. شبه بيتنا ده!”
فرح لفت وشها وسابت السكينة من إيدها، وعينيها دمعت من الفرحة. جريت على سلمى ونزلت على الأرض وحضنتها وبستها:
— “جميل يا قلب أبله.. أجمل بيت في الدنيا عشان انتي جواه.”
يوسف الصغير كان نايم في سريره الجديد في أوضته المستقلة، مفيش كراكيب، مفيش مراتب تحت السرير، مفيش لبس بكل المقاسات مرمي في الركن.. الأوضة بقت جنة صغيرة تليق بطفل عنده سنتين ونص.
الباب خبط.
فتحت فرح، وكان المستشار أحمد الهواري ومعه الأستاذة نجوى وشادية. شادية اللي استقرت في مصر وبقت صديقة مقربة للعيلة وبتزورهم كل أسبوع تعوض فيهم غياب أمها وأبوها.
— “أهلاً يا سيادة المستشار.. اتفضلوا.” فرح رحبت بيهم بابتسامة دافية.
دخلوا وقعدوا في الصالة الواسعة، والمستشار أحمد طلع ملف صغير من شنطته وحطه على التربيزة قدام فرح:
— “مبروك يا فرح.. دي أوراق تسجيلك في المدرسة الرسمية الدولية.. انتي ومحمود والتوأم هتبدأوا من الأسبوع الجاي.. والوزارة وافقت على دمجكم في المناهج بسرعة عشان ذكاءكم وتفوقكم.”
الأستاذة نجوى بصت لفرح بفخر كبير: “أنا فخورة بيكي يا فرح.. انتي أثبتي إن البنت الكبيرة مش مالهاش حق تتعب.. البنت الكبيرة ليها حق تعيش، ولما بتبقى قوية، بتقدر تحمي عيلة كاملة من الهلاك.”
فرح بصت للورق، وبعدين بصت من الشباك الكبيير على الجنينة بره.
افتكرت ليلة ما أمينة لفت المفتاح في الكالون وقالتلها “هحبسك مع إخواتك الستة لحد ما تفهمي إن البنت الكبيرة مالهاش حق تتعب”.
امبارح بس، المستشار أحمد قالها إن حسن وأمينة قدموا التماس من السجن عشان يطلبوا عفو أو تخفيف العقوبة، والقاضي رفضه في دقيقتين. هما دلوقتي بيحصدوا الشوك اللي زرعوه، وهي وإخواتها بيحصدوا الحب والصبر الشديد اللي اتقفل عليه في أوضة ضلمة لسننين طويلة.
على الحيطة الجديدة في الصالة الكبيرة، مكنش فيه ورقة مواعيد التطعيمات والدواء واللبن المكتوبة بخط إيد طفلة مرعوبة.
كان فيه برواز كبير مذهب، جواه صورة قديمة اتظبطت بالكمبيوتر.. صورة لأبوها كريم وأمها منى وهما بيضحكوا في يوم فرحهم. وتحت البرواز، فرح علقت لوحة صغيرة كاتبة فيها بخط إيدها الواثق والجميل:
> “هنا تعيش عائلة كريم السيوفي.. بالحب، والحرية، والأمان.. وإلى الأبد.”
>
لفت فرح وبصت لإخواتها الستة اللي اتلموا حوالين التربيزة عشان ياكلوا الكيكة ويهزروا ويضحكوا. سحبت كرسي وقعدت وسطهم، وأخدت يوسف في حضنها، وبصت لمحمود وابتسمت.
الحمل مكنش خفيف، والشقا مكنش قليل، والندوب اللي في قلبها من سنين السخرة هتاخد وقت عشان تخف.. بس في اللحظة دي، وهي وسط إخواتها الأحرار، فرح عرفت إن طفولتها اللي اتسرقت رجعت لها في ضحكة كل عيل فيهم.. وإن البنت الكبيرة أخيرًا.. بقى من حقها ترتاح وتفرح.
