ضحية نفسي ج 5 والاخير حكايات نورهان العشري

اتعدلت في السرير وديرت وشي الناحية التانية وغمضت عيني ببرود تام. مصطفى فضل قاعد مكانه على طرف السرير كأنه صنم، يتنفس بصوت عالي وعينيه عليا بلهفة وعجز وحيرة هتاكل دماغه طول الليل.. مش عارف هل أنا فعلاً معرفتش موضوع جوازه، ولا أنا بمثل البرود دا وبطبخ له طبخة على نار هادية؟

قعد شوية ولما لقى مفيش فايدة، قام طفى النور وخرج وسمعت صوت تنهيدته اللي طالعة من قاع قلبه وهو بيرزع باب الصالة وراه.. قعدت في الضلمة وأنا ببتسم وبقول لنفسي: “عشت في رعبك يا مصطفى.. الخوف هياكل قلبك من هنا للأسبوع الجاي.. لحد ما المحامي يجيبلي الورق رسمي، وساعتها هقلب الطاولة عليك وعلى أمك”.

****

مر أسبوع كامل ومصطفى عايش في نار حاميّة، الخوف من جهة والندم والغيرة اللي بتاكل في قلبه من جهة تانية. وفجر اليوم، هنا أختي جابتلي كل التفاصيل قسيمة الجواز، وعقد الشقة المفروشة باسم الهانم الجديدة، وكل حاجة متستفة بالورقة والقلم.

أول ما مصطفى دخل البيت بالليل، كنت مستنياه في الصالة. المرة دي مكنتش حاطة روج أحمر ولا لافحة وشي بالبرود، كنت لامة شعري الأسود الطويل في رفعة شيك أوي منزلة خصلات على وشي، ولابسة فستان أسود مجسم وبسيط جداً برز جمالي ونحافتي، وحاطة كحل عربي تقيل مخلي نظرة عيني حادة وقوية كأنها سيف. كنت واقفة وزي القمر، بس جمالي المرة دي كان فيه هيبة تخوف.

مصطفى أول ما دخل وشافني واقفة في نص الصالة والملف الأزرق في إيدي، خطوته ثبتت في الأرض، وقلبه اللي كان خايف منه الأسبوع كله حس بيه في اللحظة دي.. قلبه وقع في رجله بجد.

قربت منه بخطوات بطيئة وواثقة، ورميت الملف على التربيزة قدامه.. الصوت عمل رنة في الصالة الفاضية. قولتله بصوت هادي، نبرته أرعب من الزعيق:

ـ خد الورق دا يلزمك يا أبو رؤية . قسيمة جوازك من العروسة الجديدة، وعقد الشقة اللي مأجرهالها بالشيء الفلاني. دا السر اللي كنت خايف أكون سمعته ورا الباب، أهو بقا في إيدي رسمي.

مصطفى وشه بقى أصفر زي الليمونة، وعينيه زاغت في الأوضة، وبدأ يعرق ويرتعش وهو مش قادر ينطق، حب يتكلم ويقول أي كدبة بس لسانة اتعقد قدام نظرة عيني القوية.

قولتله وأنا بربع إيديا وببص له من فوق لتحت:

ـ ١٧ سنة جواز يا مصطفى.. ١٧ سنة شلتك فيهم وشلت أمك فوق راسي، كنت ليك الجارية المطيعة اللي بتقول حاضر ونعم وبس، واستحملت إهاناتك وسخريتك وقرفك وقولت دا جوزي وسندي.. وفي الآخر، أول ما ربنا يكرمك بقرشين، تروح تتجوز عليا؟ وتلبسها طقم دهب بألوفات وأنا رايحة أبيع ورث أمي عشان أفك ضيقتك الكدابة؟ أنت إيه يا أخي؟ مفيش في قلبك رحمة؟

مصطفى دموعه نزلت لأول مرة في حياته، قرب مني وحاول يمسك إيدي وهو بيتنفض:

ـ إيمان.. وحياة ولادنا اسمعيني.. أنا غلطت، أنا كنت عمي وعيني زاغت والشيطان وزني، بس والله العظيم..

زقيت إيده بقوة وعين حامية وقولتله:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *