حكايات روماني مكرم ج 2
التفتتْ إليّ أمي ونظراتها تشع تحديًا، وقالت بصوت صلب: “ادخلي جوه يا ندى واقفي بعيد عن البلكونة، الستات دي مش جاية تتفاهم، دي جاية ترد اعتبارها قدام الحارة.. بس على مين؟ ده أنا سناء!”
نزلتْ أمي إلى المطبخ، وعادت وهي تحمل في يدها زجاجة مياه غازية فارغة من الزجاج الثقيل، وراحت تملأ وعاءً كبيرًا بماء ساخن من السخان، ثم أضافت إليه كمية ضخمة من مسحوق الغسيل وبعض الزيت، وقالت بضحكة مكتومة: “عشان الأرض تبقى زحلقة، واللي يدخل عمارة سناء يعرف إنه داخل على مو.ته.”
في الأسفل، كان صوت الحاجة فوزية يزداد تباجحًا، وخالات حسام يصفقن ويطلقن عبارات مسمومة تهز جدران الشارع: “اطلعي يا خطافة الرجالة يا سناء! اطلعي يا اللي بنتك بايرة ومطلقة ومحدش طايقها! اطلعي ورينا طولك يا بلطجية الحتة!”
الجيران بدأوا يفتحون الشبابيك، والبعض وقف في الشارع يتفرج على “الردح” العلني الذي تقوده فوزية. وفي تلك اللحظة، فتحت أمي باب شقتنا، ونزلت درجات السلم بثقة وثبات، وأنا أرتعد خلفها وأمسك بطرف عباءتها محاولةً منعها: “عشان خاطري يا ماما بلاش، دول كتير وممكن يئذوكي!”
أمي لم تلتفت إليّ، بل نزلت حتى وصلت إلى مدخل العمارة، ووقفت على العتبة الخارجية، واضعةً يدها في وسطها، وعيناها تتفحصان الوجوه باحتقار.
بمجرد أن رأتها فوزية، صرخت كالمجنونة: “أهي جت البلطجية اهي! شفتوا يا ناس الست اللي ض.ربتني في بيتي وشردت ابني؟ شفتوا اللي خربت بيت بنتها عشان كبريائها الكداب؟”
تقدمت “روايح”، أخت فوزية الكبرى، وكانت ضخمة الج,,ثة وتحمل في يدها عصا خشبية غليظة، وقالت بوقاحة: “إحنا جينا نربيكي يا سناء، وجينا نرد القلم اللي ادتيه لأختنا في وسط بيتها.. والنهاردة مفيش راجل هيرحمك من إيدينا!”
أمي لم تهتز شعرة واحدة منها. نظرت لـ “روايح” من أسفل لأعلى وقالت بنبرة تقطر برودًا وثقة: “تربوا مين يا شوية شرشوحّات؟ إنتِ وهي جايين تلموا الحارة وتعملوا نمرة؟ فوزية انض.ربت عشان مدت إيدها على بنتي في غياب جوزها، وانض.ربت حق وعدل. وجوزها جه وباس الإيدين عشان أرجعها ورفضت، فجايبالي أخواتك عشان تعملي بيهم عزوة؟”
صرخت فوزية: “كدابة! ابني ميبوسش إيدين حد! اض.ربوا يا ستات علموا عليها وعلى بنتها!”
اندفعت “روايح” ومعها خالة حسام الثانية “نادية” نحو مدخل العمارة، وفي أيديهن المقشات والعصي. لكن أمي كانت أسرع من البرق؛ في لمح البصر، سحبت وعاء الماء الساخن والمخلوط بالصابون والزيت الذي كانت قد وضعته خلف الباب، وسكبته بكل قوتها على عتبة العمارة والمنحدر المؤدي للشارع.
“روايح” وهي تندفع بقوة، داست قدمها على الزيت والصابون، وفي ثانية واحدة، طارت في الهواء كأنها بهلوان في سيرك، وهبطت على ظهرها بصرخة زلزلت الشارع، لتسمع عظامها وهي ترتطم بالأرض بشدة!
أما “نادية” فحاولت التوقف، لكن اندفاعها جعلها تتزحلق هي الأخرى وتسقط فوق أختها “روايح” ليتشابكا معًا في منظر مضحك ومخزٍ وسط ذهول باقي النسوة وضجج ضحكات مكتومة من الجيران في البلكونات.
