حكايات روماني مكرم ج 2
لم تنتظر أمي حتى يستوعبوا ما حدث. نزلت إليهم كالإعصار، وفي يدها زجاجة المياه الغازية الفارغة. سددت ض.ربة خاطفة لـ “نادية” التي كانت تحاول النهوض، ثم التفتت إلى الحاجة فوزية التي تجمدت في مكانها من الرعب.
أمسكت أمي بفوزية من شعرها الذي تطاير من تحت حجابها، وقالت وهي تهزها بقوة: “أنا قولتلك المرة اللي فاتت البيت ده ملوش راجل، بس الظاهر إنك مابتفهميش إلا بالض.رب!” وبدأت أمي تسحب فوزية في وسط الشارع وهي تلقنها درسًا قاسياً جديداً، وسط صراخ خالات حسام المستلقيات على الأرض واللاتي لم يقدرن على النهوض بسبب كسر في الحوض لـ “روايح” والتواء شديد في قدم “نادية”.
تجمع شباب المنطقة بسرعة، وبدلاً من أن يتدخلوا لإنقاذ فوزية، وقفوا كحائط سد لمنع باقي نسوة عائلتها من الاقتراب من أمي، فالجميع في الحارة يعرفون الحاجة سناء وأصولها وأنها لا تظل,,م أحداً بل ترد اعت,,داءً سافراً على بيتها.
صاحت أمي في وسط الشارع وهي تمسك بفوزية الراكعة على ركبتيها تبكي وتستغيث: “اسمعي يا فوزية إنتِ وشوية الأراجوزات اللي جايباهم معاكي! بنتي ندى خط أحمر.. والمرة الجاية مش هض.ربك، المرة الجاية هحبسك بالقانون وبتهمة التهجم على بيتي والبلطجة، والجيران كلهم شهود!”
دفع تها أمي بقوة فسقطت فوزية بجانب شقيقاتها، والدموع والنكد يملآن وجهها بعد أن تحولت “غزوة رد الاعتبار” إلى فضيحة بجلاجل في وسط الحي.
انسحبت النسوة وهن يجرجرن أذيال الخيبة والكسر، يحملن “روايح” و”نادية” اللاتي لم يستطع,,ن المشي، وفوزية تولول وتتوعد بصوت مبحوح: “ماشي يا سناء.. والله ما هسيبك، وحسام هيوريكي النجوم في عز الظهر!”
صعدت أمي إلى الشقة وهي تعدل إيشاربها، وأنفاسها متلاحقة من المجهود، لكن ملامح النصر كانت تملأ وجهها. نظرت إليّ وقالت: “شفتي يا ندى؟ الضعيف في الدنيا دي بيتاكل.. والست اللي ملهاش ضهر بيتعمل عليها حفلات. تفتكري حسام يسكت بعد اللي حصل لأمه وخالاته في الشارع؟”
لم أجد ردًا، فالمعركة الآن لم تعد مجرد خلاف زوجي أو طلاق.. لقد تحولت إلى حرب كسر عظام بين عائلتين، والآتي يبدو أنه سيكون أشد وأخطر بفتيل يشعله حسام الغاضب لكرامة أمه المهدرة في وحل الشارع…
لم تمر سوى ساعات قليلة حتى تحول الشارع الهادئ إلى ثكنة عسكرية من القيل والقال. الجيران في الشرفات يتناقلون تفاصيل “ملحمة الصابون والزيت”، وكيف حوّلت الحاجة سناء خالات حسام إلى بهاليل يتساقطون أرضًا. لكنني كنت أعرف حسام جيدًا؛ كبرياؤه الجريح لن يمرر هذه الفضيحة مرور الكرام، ووالدته فوزية لن تهدأ حتى ترى بيتنا خرابًا.
في المساء، وبينما كنا نجلس أنا وأمي نرتشف الشاي، قطع هدوء الشقة صوت جرس الباب. انق,,بض قلبي وركضت خلف أمي التي توجهت للباب ببرودها المعتاد. حين فتحت، لم يكن حسام، بل كان “الحاج صابر”، كبير المحامين في منطقتنا ورجل معروف بأمانته.
