حكايات روماني مكرم ج 3
وقف الحاج رشاد، خال حسام، وعلام,,ات الانكسار تكسو وجهه بعد أن كانت ملامحه تقطر غطرسة قبل دقائق. نظر إلى ضابط المباحث بقلة حيلة، ثم التفت إلى أمي ومد يده برجاء قائلًا: “يا حاجة سناء، يبوس إيدك بلاش توصل للمحاكم والحبس.. إحنا في الأول والآخر أهل، والشيطان دخل بيننا وعمى قلوبنا. فوزية ست كبيرة والستات التانيين في المستشفى متبهدلين، وحسام طيش شبابه عماه.. عشان خاطر ربنا وخاطر العيش والملح، بلاش المحضر ده ونحلها ودّي.”
نظرت إليه أمي بعينين ضيقتين، ويدها لا تزال ممسكة بهاتفها الذي يضم “فيديو الفضيحة”. التفتتْ نحو الضابط وقالت بنبرة ذكية ومحسوبة: “يا سيادة الباشا، أنا ست بأعرف الأصول، والراجل الكبير ده بيتكلم بكلام عقل، بس أنا وبنتي اتهانّا في كرامتنا وفي بيتنا، والناس دي كانت جاية تخرب مش تصالح.”
نظر الضابط إلى الطرفين وقال بحسم: “أنا قدامي محضرين، لو مش هتتصالحوا وِدي وتكتبوا إقرار بالتنازل، أنا هحيل المحضرين للنيابة الصبح، والكل هيبات في الحجز.. اتفضلوا برة المكتب اتوافقوا وتعالوا قولي القرار.”
خرجنا جميعًا إلى طرقة القسم الخارجية. كان حسام يقف في الزاوية، يفرك يديه بعبث وعيناه زائغتان من الرعب، يرى مستقبله ووظيفته يضيعان في لحظة غباء. أما فوزية فكانت تجلس على كرسّيها المتحرك، مطأطأة الرأس، تخفي وجهها بملامح ذليلة بعد أن طار كبرياؤها في وحل الشارع وقسم الشرطة.
اقترب الحاج رشاد من أمي وقال: “قولي شروطك يا حاجة سناء، وإحنا رقبتنا سدادة.. بس حسام وأمه ميباتوش في الحجز.”
هنا، تقدمتُ أنا خطوة للأمام، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقي، ونظرت إلى حسام وقلت بصوت مسموع هز الطرقة: “شروطنا مبقتش شروط رجوع يا حاج رشاد.. حسام طلقني غيابي وكسر بخاطري، والنهاردة جاي يتبلى على أمي بالحبس. شروطنا هي شروط انفصال بالمعروف وبأعلى رأس.”
التفتت أمي إليّ بابتسامة فخر، ثم نظرت للحاج رشاد وقالت: “بنتي قالت المفيد يا حاج رشاد.. حسام يطلق ندى طلقة بائنة عند المأذون بشكل رسمي، وحقها في القايمة يرجع مليم ينطح مليم من غير نقصان، ويدفع مؤخر الصداق والنفقة الشرعية كاش هنا في القسم قبل ما نمضي على التنازل.. وتعهد بعدم التعرض ليّا ولا لبنتي لا من قريب ولا من بعيد، وإلا الفيديو ده هيروح للنيابة ببلاغ جديد!”
صاح حسام بصوت مخنوق: “القايمة والمؤخر كاش؟ أنتِ عارفة المبالغ دي كام يا حاجة سناء؟ دي تحويشة عمري وشقايا!”
نظرت إليه أمي باحتقار وقالت: “دي شيلتك يا سي حسام، وإنت اللي شيلتها لنفسك لما سمعت كلام أمك وخالاتك وجيت تتبلطج على أسيادك.. قدامك نص ساعة، الفلوس تحضر هنا، أو تدخل تبات في التخشيبة وجنبك الحاجة فوزية.”
توسل الحاج رشاد لحسام أن يصمت، وأخرج هاتفه وبدأ في إجراء اتصالات عاجلة بأقاربهم لتجميع المبلغ والمؤخر، بينما كانت فوزية تنظر إليّ بعيون تملأها الحسرة والندم، بعد أن أدركت أن عنادها ونكدها الموروث لم يجلب لها سوى الفضيحة، وخراب بيت ابنها، وفوق كل ذلك.. إفلاسه.

