جالي ابني حكايات روماني مكرم ج 2 والاخـير
الشك بدأ ينهش في عقلي. طارق وعمرو إخوات، وطارق طول عمره ذكي وبيعرف يلعب بالكلام. هل ممكن يكونوا متفقين عليا عشان يضغطوا على نقطة ضعفي؟ ولا ابني فعلاً متبهدل في الأقسام ومحتاجني؟
قمت لبست إسدالي بسرعة، وأخدت تليفوني ومفاتيح الشقة. مكنش ينفع أقعد مكاني وأنا بآكل في نفسي. قررت إني مش هبعت فلوس ولا هقول معايا كام، أنا هروح بنفسي للقسم اللي طارق فيه.. هشوف بعيني الأول، هعرف الحقيقة مهما كانت مُرة. لو ابني في محنة بجد، شقى عمري كله فداه وفدى حريته.. لكن لو طلعت لعبة ملعوبة عليا من ولادي الاتنين عشان يبتزوني…
نزلت السلم بخطوات سريعة مكنتش أفتكر إن جسمي اللي عنده سبعين سنة يقدر يعملها. فتحت باب العمارة وخرجت للشارع في نص الليل، وأنا بحاول أوقف تاكسي، وجوايا خوف من الحقيقة اللي مستنياني في القسم.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
ركبت التاكسي وأنا بفرك إيديا من التوتر، وطلبت من السواق يطير على القسم اللي طارق قالي عليه. طول الطريق وعيني على الشوارع والبيوت اللي بتجري بره، ودماغي بتجري أسرع منها بمليون مرة.
كنت بقول لنفسي: “يا رب تطلع لعبة.. يا رب يكونوا بيضحكوا عليا عشان الفلوس بس ويكون طارق كويس ومفيش حادثة ولا دم ولا راجل في المستشفى”. لأول مرة في حياتي، كنت أتمنى إن ولادي يكونوا نصابين وبيخدعوني، ولا إن ابني يكون في مصيبة بجد أو متسبب في أذية بني آدم.
وصلت قدام القسم. المكان كان يقبض القلب؛ أنوار قوية، وعساكر واقفة، وناس رايحة وجاية وشوشهم كلها هم وقلق. نزلت من التاكسي وأنا بسند ضهري بالعافية، ودخلت من الباب الكبير.
سألت عسكري واقف، فوجهني لأوضة النبطشية. مشيت في الممر الضيق لحد ما وصلت، ووقفت على الباب وبصيت جوه.
أول ما عيني وقعت عليه، قلبي اتقسم نصين.
طارق كان قاعد على كرس الخشب، هدومه متبهدلة وفيها بقع تراب، وشعره منكوش، وحاطط راسه بين إيديه وبيعيط بكسرة أول مرة أشوفها فيه من يوم ما كان طفل صغير. مكنش فيه أي تمثيل، الوجع والخوف اللي كان فيه كانوا حقيقيين لدرجة تخلي أي أم تتخلع من مكانها.
جنبه كان فيه راجلين وست تانية باين عليهم الصعايدة، وشوشهم غضبانة وعينيهم طق شرار، وبيتكلموا بصوت عالي مع ضابط المباحث اللي قاعد ورا مكتبه.
دخلت الأوضة وبصوت مرتعش قلت: “يا فندم.. أنا والدة طارق”.
طارق رفع راسه بسرعة، أول ما شافني وقف وجري عليا، ارتمى في حضني وفضل يعيط زي العيل الصغير ويقول: “الحقيني يا أمي.. الراجل في العناية المركزة بين الحيا والموت، وأهله مش عايزين يتنازلوا وطالبين ميتين ألف جنيه حالا مصاريف للمستشفى والدكاترة وتأمين، وإلا هيحبسوني.. أنا ضعت يا أمي، ضعت”.
واحد من قرايب المصاب وقف وزعق: “يا حاجّة، ولدك كان سايق زي المجنون وعمل في قرييبنا إيه! إحنا مش بتوع مشاكل، بس وادنا بيموت في المستشفى، ويا تدفعوا مصاريف علاجه والتعويض، يا القانون ياخد مجراه وولدك يتفسح في السجن”.
