دور كورونا ج 2 والاخـير حكايات امـاني سيـد

ـ “الحمد لله يا ماما.. ربنا نجانا، ونجى الولاد. إحنا خلاص بنتحسن، وأهلي قالوا إن مفيش داعي للممرضة من بكرة.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة:

ـ “ماما، أنا مش عايزة أفتح مواضيع قديمة، ولا عايزة ألومك تاني، لأني شفت الموت بعيني، وشفت ولادي وهما بيتوجعوا، وكل ده كان أهون بكتير من إني أفقد الثقة في اللي حولي. اللي حصل كان درس قاسي لينا كلنا، وأنا بجد.. سامحتك عشان خاطر ولادي، وعشان خاطر جوزي اللي مش عايزه أشيله هم أكتر من اللي هو فيه.”

كلماتها نزلت على قلبي زي المية الساقعة. مكنتش مستنية “سماح” بالسهولة دي، كنت مستنية صد، أو قسوة، أو حتى طرد، لكن طيبتها دي كبرت جرحي أكتر.

قمت وقربت منها، وخدتها في حضني، ودموعي أخيراً انفجرت. كنت بعيط مش بس على غلطتي، لكن على الإنسانة النضيفة اللي أنا كنت بكسرها وبطالبها بواجبات وهي شايلة البيت بدم قلبها. قالت لي وهي بتطبطب على كتفي:

ـ “خلاص يا ماما، خلينا نبدأ صفحة جديدة. البيت محتاج يرجع يلمنا، ومحتاجين ننسى الأسبوعين اللي فاتوا دول كأنهم كابوس وراح.”

ساعتها عرفت إن مرام ما كانتش بس مرات ابني، دي كانت “عمدان البيت” اللي أنا كنت فاكرة إنها من غيرهم البيت هيقع، وهي بجد اللي شالت البيت في أصعب وقت. قررت من جوايا إني لازم أغير طريقتي تماماً، ولازم أعرف إن البيت ده مش “ملك” لفلوس ابني، لكن ملك “للمودة والرحمة” اللي مرام هي اللي بتزرعها في كل ركن فيه.

بدأت تساعدني أقوم ونمشي سوا في الشقة، والبيت بدأ يرجع يضحك تاني، بس أنا كنت عارفة إني محتاجة وقت طويل عشان أصلح “الصورة” اللي مرام خدتها عني، وعشان أستاهل فعلاً الكرم والستر اللي ربنا كافأني بيه رغم غلطتي الكبيرة.

عدت الأيام، والبيت رجعت له روحه تانية، كأن الغيمة السوداء اللي غطت عليه اتكشفت وطلعت الشمس من جديد. مكنتش بمر بس بفترة نقاهة من المرض، كنت بمر بمرحلة “شفاء” من قسوة قلبي. مرام كانت بتتعامل معايا بـ ودّ غريب، ودّ مش نابع من الواجب، بس نابع من صفاء قلبها اللي اختارت تغفر بيه عشان البيت يفضل عامر.

لحد ما جه اليوم اللي اتغير فيه كل شيء؛ اليوم اللي رجع فيه ابني من السفر.

أول ما دخل من باب الشقة، كانت أول مرة أشوف فيها ابني من سنين طويلة وهو “مكسور” بجد، مش عشان غربة ولا تعب، لكن عشان خاف على بيته اللي هو “أمانه”. دخل لقى الشقة هادية ونضيفة، ولانا (مرام) واقفة تستقبله بابتسامة باهتة لكنها راضية، والعيال جريوا عليه في حضنه.

أنا كنت واقفة في الصالة، قلبي بيدق بتوتر وخوف، لأني مش عارفة نظرة ابني ليا هتكون إيه بعد اللي عرفه. بص ليا.. نظرة مطولة، مفيش فيها عتاب صريح، بس كان فيها “عتاب الخذلان”. قربت منه، مسكت إيده اللي كانت بتعب وبشقى بتبني البيت ده، وبصيت في عينيه وقلت بصوت بيترعش:

ـ “سامحني يا ابني.. أنا اللي غلّطت، وأنا اللي كنت السبب في الوجع اللي مر عليكم. كنت فاكرة إني بحمي نفسي، وطلعت بهدم بيتك اللي كنت بتشقى عشان تبنيه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *