دور كورونا ج 2 والاخـير حكايات امـاني سيـد

ـ “مرام.. يا بنتي.. سامعاني؟”

ساد صمت طويل، لدرجة إني افتكرت إنها مش هترد. وبعد لحظات، سمعت صوتها، صوت ضعيف ومكسور، مش زي عادتها وهي بتدلعني وتطمني. قالت بصوت واطي:

ـ “أيوة يا ماما.. سامعاكي.. فيه حاجة؟”

دموعي نزلت غصب عني، ومسحتها بطرف طرحتي:

ـ “عايزة أقولك.. أنا آسفة. آسفة على كل كلمة قسيت بيها عليكي، وآسفة إني دخلت بيتكم بمرضى وخبيته عنك.. أنا اللي كنت فاكرة إني صاحبة حق، طلعت بجهلي وأنيتي ضيعت أغلى حاجة عندي.. ضيعت البيت اللي كان دافي بيكي.”

سكتت، كنت مستنية أي رد، أي عتاب، حتى لو صرخة في وشي، بس مرام سكتت خالص. وبعدين قالت بصوت فيه رجفة:

ـ “يا ماما.. اللي حصل حصل. مفيش داعي للكلام دلوقتي، كل اللي يهمني إننا نقوم بالسلامة، ونخرج من المحنة دي. المهم دلوقتي صحة الولاد.. والحمد لله إن أهلنا واقفين معانا، وإلا مكنش حد هيعرف يوصل لنا أكل ولا علاج.”

كلمتها كانت قاسية في براءتها؛ لأنها فكرتني إن لولا “أهلها” اللي أنا كنت بقلل منهم ومن مكانتهم، كان زماننا ضيعنا. حسيت إن كل “الخدمة” اللي كانت بتقدمهالي طول الأسبوع، كان وراها قلب أبيض أنا اللي كنت بظلمه.

رجعت قعدت في الصالة، والبيت اللي كان دايماً بيتشاف في عيني “ملك لفلوس ابني”، بقى دلوقتي بيت “مرام”.. بيت ست أصيلة شايلة أمانة بيتها وعيالها، حتى وهي بتمر بأصعب أزمة.

بدأت ألملم بقايا كبريائي المكسور، وبدأت أدعي ربنا ليل ونهار، مش عشان أخف وبس، لكن عشان يسامحني مرام، وعشان ابني يقدر يرجع يثق فيا تاني. عرفت ساعتها إن “البيت” مش بالفلوس اللي بتتبعت في أول الشهر، البيت بالناس اللي بيخافوا على بعض، وأنا كنت أول واحدة فرطت في الخوف ده، ودفعت التمن غالي أوي من أعز ما أملك: كرامتي وراحة بالي.

بقيت بقضي يومي في الصلاة والدعاء، وأنا بسمع صوت مرام من ورا الباب، بحاول أخدمها حتى لو بكلمة طيبة، وبحاول أصلح اللي انكسر.. ولو حتى كان الإصلاح ده هياخد العمر كله.

عدى أسبوع تاني، والبيت بدأ يرجع فيه النفس بالتدريج. السكون اللي كان مالي المكان بدأ يتكسر بصوت حركة مرام الخفيفة جوه الأوضة، وصوت ضحكات الولاد اللي بدأت تظهر تاني بعد ما خفت حدة المرض. الممرضة بدأت تخفف من إجراءاتها، وبدأت ملامح “الحياة” ترجع للبيت اللي كان محجوز.

في يوم، لقيت باب الأوضة بيتفتح ببطء، ومرام طلعت.. كانت لسه شاحبة ووشها فيه إرهاق باين، بس كانت واقفة على رجليها، وشايلة ابنها الصغير اللي كان بيضحك لي لأول مرة من ساعة ما جيت. وقفت قدامي، وبصت لي بصه طويلة، مفيش فيها غضب، لكن فيها هدوء غريب بيخوف أكتر من العتاب.

حاولت أقوم من مكاني، بس رجلي خذلتني، ففضلت قاعدة وبصيت لها بدموع محبوسة:

ـ “مرام.. حمد لله على سلامتك يا بنتي.. أنا.. أنا مش عارفة أقول إيه.”

قربت مني وقعدت على الكرسي اللي قدامي، حطت ابنها جنبها، وبصت لي بنبرة هادية جداً:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *