دور كورونا ج 2 والاخـير حكايات امـاني سيـد

بدأ الكلام من غير مقدمات ولا “إزيك يا ماما”، قال لي بنبرة مغلولة:

ـ “أنا هنا في الغربة بتعذب يا أمي.. بتعذب لأني مش عارف أطمن على مراتي وعيالي، ومش قادر أعملهم حاجة. كنت فاكر إن وجودك معاهم في وقت تعبهم هيكون أمان ليهم، مش خطر يهد البيت عليهم! إيه اللي خلاكي تعملي كدة؟ ليه خبيتي عليهم بدل ما تحميهم؟”

كلماته نزلت على قلبي زي الرصاص. حاولت أدافع عن نفسي وأقول له: “يا بني أنا كنت تعبانة وكنت محتاجة حد يخدمني، ومرام كانت موجودة..” بس هو قاطعني بصوت أعلى وأقوى:

ـ “يخدمك إزاي؟ بأنك تغرّقيها في المرض وهي اللي شايلاكي؟ مراتي كانت بتخرج تروح لأمها، وبسببك اتحبست في البيت هي والعيال، ودلوقتي الكل بيدفع تمن خطأك! كنتِ عايزة تخدمي نفسك، بس دمرتي بيتي اللي أنا شقيان عشان أبنيه ليهم، مش عشان يتحول لمستشفى بسبب أنانية!”

سكتّ وأنا مش قادرة أفتح بوقي بكلمة، لأول مرة حسيت إن كل حججي تافهة وصغيرة. كمل هو كلامه بوجع:

ـ “أنا كنت ببعت الفلوس عشان يعيشوا في راحة، مش عشان أشتري لهم مرض بسبب تهاونك. مرام وأولادي دلوقتي بيعانوا، وأنا مش هنا.. وكل اللي بقدر أعمله إني بكلم أهلها يلحقوهم. يا ريتك كنتِ قعدتي في بيتك وطلبتِ دكتور، كان أهون بكتير من اللي حصل.”
قفل التليفون، والبيت حواليا بقى كأنه فاضي تماماً. قعدت على طرف السرير، وبصيت للأوضة اللي فيها مرام والولاد. سمعت صوتها وهي بتكح كحة ناشفة وقوية، وصوت ابني الصغير بيعيط بضعف.

حسيت بـ “القلم” الحقيقي اللي كان ناقصني. أنا اللي كنت دايماً أقول “فلوس ابني وخيره”، اكتشفت إن ابني في اللحظة دي بيتمنى لو كل القرش اللي بيبعته يروح، مقابل إن مراته وعياله يرجعوا لصحتهك، ومقابل إن “البيت” اللي كنت بفتخر بيه يرجع دافي من تاني.

قمت بالراحة، ومشيت لحد باب أوضتها. كنت عايزة أخبط، عايزة أقول لها كلمة واحدة.. “آسفة”. بس إيدي اتجمدت في الهواء. لقيت نفسي واقفة قدام الباب، سامعة صوت أهلها وهما بيكلموها من ورا الباب الموصد، بيطمنوا عليها وبيدوها التعليمات، وأنا.. أنا كنت مجرد طرف تالت، “غريبة” في البيت اللي كنت فاكرة إني صاحبته.

رجعت قعدت على الكنبة في الصالة، وبدأت أفكر في اللي جاي. ابني اللي كان بيبرني، دلوقتي بيلملم شتات بيته اللي أنا بعثرته، ومرام اللي كانت بتخدمني بحب، بقت بتشوفني مصدر خطر. مسحت دموعي بإيدي، ولأول مرة حسيت إن “الجبروت” اللي كنت عايشة بيه، ما هو إلا هشاشة ووجع خبيتهم ورا جملتين عن الفلوس والواجب.

بعد ما اتكلمت مع ابني، حسيت إني محتاجة أواجه مرام، حتى لو من ورا الباب. الوقفة دي كانت أصعب لحظة في حياتي، أصعب من المرض نفسه. قمت وسحبت نفسي لحد قدام باب أوضتهم، كان الباب مقفول، سامعة فيه أنفاسهم المكتومة وصوت كحتهم اللي بيقطع في قلبي.

خبطت خبطات خفيفة، وصوتي طلع مهزوز ومبحوح:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *