السحر الاسود ج 1 بقلم الهواري
مشاكل من الهوا.. محمود جوزي اللي كان هادي وطيب، بقى عصبي، وعينه بتطق شرار من أقل كلمة، وبقى يقرف يقعد معايا في الأوضة. وحماتي بقت تزرنا كل يوم تقريباً بحجة المباركة، وفي كل زيارة كانت تقعد تلمح وتسألني سؤال واحد وعينها بتلف في الأوضة: “لبستي القميص الأبيض اللي جالك يا ولاء؟”
كل مرة أقولها: “لأ يا طنط، لسه ملقتش فرصة”.. كانت تبتسم ابتسامة صفرا تظهر سنانها، وتغير الموضوع.
بعد أسبوع.. نزلت رحت لبيت أمي، ورجعت بدري عن ميعادي بشوية. فتحت باب الشقة بالراحة، لقيت حماتي قاعدة في الصالة، ومعاها بنتها “هبة”.. أخت جوزي الصغيره، بنت في أول العشرينات، ضحكتها كانت تملى البيت وكل الحارة بتحب خفت دمها. أول ما عتبت الممر، سمعت هبة بتقول لأمها بدلع: “يا ماما هو فين القميص الأبيض الفخم اللي كنتِ بتقولي عليه؟ أنا عايزة أشوفه”.
ساعتها حماتي اتلخبطت، ووشها جاب مية لون، وزعقت فيها لأول مرة بقسوة: “اتلمي يا بت ومالكيش دعوة بحاجة متخصكيش!”.. هبة ضحكت وقالت: “والله لهشوفه وألبسه كمان”.
الموضوع عدى.. بس الشك لغوص في قلبي، وبقيت بمشي ورا حماتي بعيني. وفي يوم وأنا بروق الأوضة، افتكرت خصلة الشعر والعمل اللي في الدرج.. طلعتها، وأخدت بعضي ورحت لـ ست مبروكة وكبيرة في السن في بلدنا معروفة بالحكمة وقراية الأثر.. حطيت الخصلة قدامها من غير ما أنطق بحرف.
أول ما الست شافت الخصلة والورقة بصل، وشها اتقلب وبصت لي بـ فزع: “مين اللي عمل فيكي الوعكة دي يا بنتي؟! مين اللي جابلك الأثر ده؟”
قولت لها برعب: “ليه يا خالة؟ فيه إيه؟”
ردت بصوت واطي يقشعر له البدن: “ده سحر أسود بالمرض والجنون والخراب.. معمول عشان اللي تلبسه يتقلب حالها وتكره دنيتها وتشوف جهنم بعينها.. خدي الأثر ده ارميه في مية جارية بعيد عن عتبة بيتك، لإن اللي عمله كان ناوي ليكي على أذية تموتك!”
رجعت البيت وأنا ركبي بتخبط في بعضها من الرعب.. وعرفت إن حماتي كانت عايزة تدمرني ليلة دخلتي. بس الحقيقة كانت أبشع وأقرب مما تتخيلوا!
بعدها بيومين، كنت قاعدة في شقتي، لقيت تليفوني بيرن.. دي هبة أخت جوزي، كانت بتتكلم وصوتها فيه ضحكة غريبة مش مريحة، وقالت لي بنبرة سريعة: “تعالي بسرعة يا ولاء.. تعالي شوفي المفاجأة اللي عملتها”.
سألتها: “فيه إيه يا هبة؟” وقبل ما ترد السكة اتقفلت.
نزلت جري على شقة حماتي في الدور الأول.. أول ما فتحت الباب، لقيت البيت كله مقلوب.. صوت صراخ، عياط، وزعيق مسمع لآخر الحارة! الشغالين بيجروا، وأقاربهم ملمومين.
جريت في الممر وبصرخ: “فيه إيه؟ حصل إيه يا جماعة؟” محدش بيرد عليا.
لحد ما دخلت الصالة الكبيرة.. وشوفت الصدمة اللي شلت رجلي مكانها!
هبة كانت قاعدة على الأرض.. وشها باهت كأنه جثة، عيونها مبرقة وزايغة بشكل مرعب، وريقها سايل على جناب بوقها.. وبين إيديها، كانت ماسكة “قميص النوم الأبيض” بتاعي! القميص اللي أنا رفضت ألبسه، واللي اختفى من دولابي قبلها بيومين ومن غير ما أعرف مين اللي سرقه!
لفيت وشي وبصيت لحماتي “أمينة”.. كانت واقفة في ركن الصالة، وشها أصفر ليموني، وضهرها محني كأنها شافت ملك الموت قدامها.. ولأول مرة، الشجاعة والمنظرة اتمسحت منها، وكانت بتموت من الرعب!
ولما عيوننا اتقابلت، همست بحسرة وندم قطع حشاها، وقالت وهي بتلطم على وشها:
* “بنتي.. هي اللي لبسته…”
وبعدها حطت إيدها على راسها وصوتت وانهارت على الأرض مغمى عليها، في الوقت اللي كانت فيه هبة بتبص للفراغ، وبتضحك ضحكة فحيح مرعبة بصوت خشن وغريب وعميق، صوت مستحيل يكون صوت هبة البنت الرقيقة، وقعدت تكرر جملة واحدة هزت حيطان البيت: “هو رجع… هو رجع عشان ياخد حقه القديم من عيلتكم!”
بقلم الهواري
