مـا بعـد السكـوت ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

الضيوف وصلوا الساعة أربعة العصر…عشرين شخص.

وأنا طول الوقت رايحة جاية بين المطبخ والسفرة.

أطلع الأكل.
أشيل الأطباق.
أملا الكوبايات.
أقطع عيش.
أسخن الأكل.
أجيب الحلويات.

وأرجع تاني…طول السهرة ما قعدتش دقيقة واحدة.

حتى المية كنت بشربها واقفة جنب الفرن…أحمد كان قاعد على رأس السفرة….بيضحك….ويهزر…ويحكي مواقف.

وأمه قاعدة بتاكل البط بالمشمش وهي راضية جدًا عن نفسها.
في نص الزحمة، أم محمد مرات صاحبه وقفتني وقالت:
“يا سعاد اقعدي كلي لقمة.”

ابتسمت وقلت:
“بعد الطبق الرئيسي على طول.”

لكن الطبق الرئيسي خلص.
وجت الحلويات.
وبعدين الشاي.
وبعدين طلبوا فطاير زيادة.

ولحد الساعة 11 بالليل كنت لسه بلف حوالين السفرة.
آخر ضيف مشي قبل نص الليل بشوية.

وبعد ما الكل مشي…بصيت حواليّا. جبل من المواعين.
أكتر من ستين طبق.عشرات الكوبايات.وصواني.وحلل.
والمفرش كله بقع عصير وصلصة.والأرض مليانة فتافيت.

بدأت أغسل…لحد الساعة واحدة ونص بعد نص الليل.

أما أحمد…فدخل أوضة النوم الساعة 12.

وبص على المطبخ قبل ما ينام وقال:
“سيبي الباقي لبكرة.”
وبعدين نام…لكن أنا ما سبتش حاجة.
لأني عارفة إن بكرة الدهون هتنشف.
والشغل هيبقى أصعب مرتين.

تاني يوم الصبح…كان أحمد قاعد على السفرة النضيفة.
بيشرب قهوته…وبيمسك موبايله.
وقال بمنتهى الرضا:
“كانت سهرة جميلة… الناس كلها انبسطت.”

بصيت لإيديا اللي كانت لسه بتوجعني.
وضهري اللي كان هيتكسر من التعب.
وما سمعتش كلمة شكر واحدة.
لكن…زي كل مرة…سكت وووو……
#حكايات_مني_السيـد
سكتّ… بس السكوت المرة دي كان ليه طعم تاني. طعم مر زي القهوة اللي شربتها الصبح، بس كان وراه “نار” بتبدأ تقيد في صدري. أحمد كمل كلامه عن العزومة والناس اللي اتبسطت، وكأنه بيتكلم عن حفلة حضرها في فندق، مش عن “محرقة” بيتيّة أنا اللي اتحرقت فيها.
بصيتله وهو بيقلب في الموبايل، وبصيت للمطبخ اللي كنت لسه مخلصاه، وبصيت لنفسي في المرايا المعلقة في الصالة. كنت مهدودة، عيوني ذبلانة، وشعري مربوط “كحكة” عشوائية بقالي يومين ما اتفكش.
قلت بصوت هادي، بس كان فيه نبرة غريبة خلت أحمد يرفع عينه لأول مرة: “انبسطوا؟ طيب الحمد لله.”
دخلت الأوضة غيرت هدومي، وطلعت رحت قعدت في الصالة. أحمد كان لسه في مكانه. قمت عملت لنفسي كوباية شاي، وقعدت قدامه على الكرسي. المرة دي ما قمتش أعمله هو قهوة، ولا قمت أشوفه محتاج إيه.
بصلي باستغراب: “سعاد، فين الشاي بتاعي؟”
بصيت في الفراغ وقلت: “مش قادرة يا أحمد. جسمي مكسر. بقالي يومين مش بنام غير سويعات.”
ضحك ضحكة باردة: “يا ستي ما هي العزومة خلصت، ارتاحي بقى. المهم أكلهم كان حلو، والبط كان تحفة.”
“البط كان تحفة؟” كررتهـا وأنا ببتسم ابتسامة باهتة. “كويس إنه عجبهم.”
عدت أيام، وكنت بحاول أهدي نفسي. بس لقيت أحمد داخل عليا يوم التلات بابتسامة صفراء: “بقولك إيه يا سعاد، كلمت أصحابي في الشغل، وهنيجي نلعب طولة ونقعد شوية يوم الخميس. اعملي لنا صينية مكرونة بالبشاميل وحاجة خفيفة.”
هنا… حسيت إن في خيط رفيع اتقطع جوه دماغي. الخيط ده كان الصبر اللي بنيته على مدار 12 سنة.
بصيتله وابتسمت. الابتسامة اللي خلت أحمد يرفع حاجبه ويقول: “في إيه؟ بتبصيلي كدة ليه؟”
قلت بنبرة هادية جدًا: “ولا حاجة يا أحمد. حاضر. من عينيا.”
يوم الخميس جه. المطبخ كان فيه حاجات بسيطة، بس أنا قررت إني مش هعمل “المجهود الجبار” اللي بعمله كل مرة. بدأت أجهز المكرونة، بس كنت بشتغل ببطء… ببطء شديد.
الساعة بقت 8 بالليل، والضيوف وصلوا. 6 أفراد من صحابه. قعدوا في الصالة، وأحمد بيصوت: “يا سعاد! المكرونة فين؟ الشاي فين؟”
طلعت المكرونة، كانت مستوية، بس مافيهاش “النفس” المعتاد. الصواني مش مزينة، السلطة مقطعة خشن، ومفيش “حلويات” ولا “فطاير” ولا أي “شغل عالي”.
أحمد بصلي بغضب وهو قدام صحابه: “إيه ده يا سعاد؟ فين صواني الجلاش؟ فين الحلويات؟”
بصيتله بكل هدوء، ومسحت إيدي في المريلة وقلت قدامهم كلهم: “والله يا أحمد، أنا مهندسة حصر كميات، زي ما أنت عارف، وفي الفترة الأخيرة الشغل ضاغط عليا جدًا. وبعدين… أنت قلت إنها قعدة طولة، فقلت الأكل الخفيف أحسن.”
أحمد وشه احمرّ: “بس ده مش أسلوب! أصحابي واكلين عندك قبل كدة ومبهورين!”
هنا وقفت، وربعت إيدي وقلت الجملة اللي خلت المكان يتقلب:
**”إنـت اللـي عزمتهـم يا أحمد؟ يبقـى إنـت اللـي هتخـدمهم.”**
ساد صمت تام في الصالة. صحابه سكتوا وبصوا في الأرض، وأحمد وقف ووشه بيطلع نار. عمري ما اتكلمت كدة، ولا عمري “كسرت” هيبته قدام حد.
أحمد قام وقف، وشدني من إيدي عشان ندخل المطبخ، بس أنا شدّيت إيدي بقوة وقلت بصوت مسموع: “الأكل على السفرة، والمواعين في الحوض، والمطبخ مفتوح.. اللي عاوز حاجة يروح يخدم نفسه.”
دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، وسيبت “الزلزال” ورايا. دي كانت المرة الأولى اللي أعمل فيها كدة في حياتي… المرة الأولى اللي أقول فيها “لا”، بس كانت “لا” ليها دويّ أكبر من أي صرخة.
قعدت على السرير، قلبي كان بيدق بسرعة، كنت خايفة، بس في نفس الوقت… كنت حاسة بنشوة غريبة. أحمد برا بيخبط على الباب، بيزعق، بيشتم، وبيحاول يكسر هيبة اللحظة دي. بس أنا كنت بفك طرحتي، وبتنفس بعمق.
سألت نفسي: يا ترى إيه اللي هيحصل لما يخلصوا؟ يا ترى أحمد هيقدر يلم الدور؟ ولأول مرة… ماكنش فارق معايا.
أحمد صوته عليّ وهو بيقول: “سعاد! افتحي الباب ده فورًا! إنتِ اتجننتي؟ إيه اللي عملتيه ده؟”
رديت من جوه بصوت ثابت: “لا ما اتجننتش يا أحمد. أنا بس تعبت. وتعبت من إني أكون ‘الجوكر’ بتاع عزوماتك. لو عايزهم يتبسطوا، قوم أنت انبسط معاهم، وضيفهم، واغسل مواعينك بإيدك.”
البيت سكت تمامًا. صحابه مشيوا بسرعة، وسمعت صوت قفل الباب وهو بيخرج وراهم. وبعدها… خبطة قوية على باب أوضتي… خبطة ماكنتش خبطة غضب بس، كانت خبطة “صدمة”.
قمت وقفت قدام المرايا، مسحت دمعة نزلت غصب عني، وشفت في عيوني واحدة تانية خالص. واحدة بدأت تاخد حقها… حتى لو كان التمن هيكون خراب البيت اللي بنيته بدموعي.
أحمد فضل يخبط، وأنا فضلت واقفة مكاني، سامعة صوته وهو بيزعق: “سعاد، قسماً بالله لو ما فتحتي لأوريكي مين اللي بيخدم التاني!”
ضحكت بسخرية.. المرة دي ماكنتش خايفة من تهديده. لأن اللي بيوصل للمرحلة دي من التعب، مابيبقاش فارق معاه “العقاب” بعد ما داق مرارة “الاستعباد”.
فتحت الباب ببطء. أحمد كان واقف، وشه أصفر من كتر الغضب، وعيونه بتطلع شرار.
بصلي وقال بصوت واطي ومخيف: “أنتِ عارفة إن اللي عملتيه ده معناه إنك قللتي مني قدام الناس؟ عارفة يعني إيه مراتي تقولي قدام صحابي اخدمهم؟”
بصيت في عيونه وطلعت كل اللي في قلبي: “عارفة يا أحمد. وعارفة أكتر إنك قللت مني بقالك 12 سنة. 12 سنة وأنا “المهندسة” اللي بتطبخ، و”المدام” اللي بتغسل، و”الخادمة” اللي بتبتسم في وش ضيوفك وهي بتفطس من التعب. المرة دي أنا مش بقلل منك، أنا بحط النقط على الحروف.”
أحمد سكت، بس كان سكوت “ما قبل العاصفة”. مسك إيدي بعنف وقال: “إنتِ شكلك نسيتي نفسك. بكرة الصبح هيكون لينا كلام تاني، وكلام يخليكي تندمي على الكلمة اللي قولتيها.”
سحب إيدي وخرج من الأوضة، وسمعت صوت باب الصالون وهو بيقفله بقوة. قعدت على السرير ودموعي بدأت تنزل، بس كانت دموع “انفجار” مش دموع “ضعف”.
تاني يوم الصبح… كانت الشمس طالعة صافية، بس البيت كان مشحون بكهرباء. أحمد ماكلمنيش، وأنا ماخرجتش من الأوضة غير عشان أشوف طلبات الولاد – لو كانوا موجودين.
المشكلة إن “المواجهة” لسه ماخلصتش… وأنا عارفة إن “أحمد” مش هيعديها بالساهل. وعارفة إن حياتي اللي كانت “روتين” ممل، بدأت تتحول لـ “معركة” ماليش فيها غير نفسي…
سمعت صوت مفتاحه في باب الشقة… أحمد رجع، ومعاه صوت “واحدة” تانية… صوت ضحك، وصوت أم محمد… أم أحمد.
أتاريها “الحرب” بدأت بدري أوي.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *