بـلا ذنـب ج 2 حكايات مني السيد

## الفصل الثالث: في قلب العاصفة
الخوف مش بس شعور، الخوف حالة بتشل الأطراف، بس وأنا شايلة شهد في الليلة دي، حسيت بقوة غريبة بتجري في عروقي. السواد اللي كان بيتحرك ناحيتنا في الجنينة وقف فجأة. الضلمة كانت تقيلة، وريحة التراب المبلول بعد مطر خفيف كانت خانقة.
— “شهد، حبيبتي، افتحي عينيكي وبصي لي،” همست في ودنها.
الطفلة فتحت عيونها بنعاس، ولما شافت الخوف في ملامحي، سكتت تماماً. هي كانت عارفة إن فيه حاجة غلط، لأنها كانت ذكية بزيادة رغم ظروفها. نزلتها على الأرض بهدوء، ومسكت إيدها، وبدأنا نمشي بحذر في “منور” بيت الجيران.
الحاج صادق، جار الحاج محمود، كان راجل شهم، فتحلنا الباب بسرعة ودخلنا، قفل الباب وبصلي بذهول.
— “يا بنتي، إيه اللي بيحصل؟ محمود كلمني وقالي إن فيه ناس غريبة حولين البيت، بس مكنتش متخيل إن الأمور هتوصل لضرب نار!”
— “يا حاج صادق، أحمد مابقاش طبيعي، ده شيطان وبيدور على أي حاجة تخليه ياخد فلوس.”
قبل ما أكمل جملتي، سمعنا صوت صريخ نيرمين بره، كان صوت عالي، مسموع، وكأنها بتعمل “تمثيلية” عشان تشتت الانتباه. كنت عارفة أسلوبهم، هما بيحاولوا يعملوا دوشة عشان يستدرجوا حد مننا.
قررت أطلع تليفوني، مكنش فيه إشارة كفاية، قلبي كان بيدق زي الطبول. فجأة، جاتلي رسالة من “رقم مجهول”: *«إنتِ فاكرة إنك هتهربي منها؟ أنا عرفت مكانكم يا مريم. قدامك عشر دقايق، يا تسلميني البنت، يا إما العمارة كلها هتدفع التمن.»*
بصيت لشهد، اللي كانت قاعدة في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها. عيونها كانت بتبصلي، نظرة عتاب ممزوجة بخوف. “ميمي.. ليه بابا وحش؟”
سؤالها قطع قلبي. حاولت أبقى قوية، ابتسمت ليها رغم إن دموعي كانت خلاص على وشك النزول. “مش بابا يا شهد، ده حد اتغير، حد نسي يعني إيه إنسانية.”
خرجت من بيت الحاج صادق بعد ما اتأكدت إن شهد في مكان “مستخبي” في خزانة خشب كبيرة في الأوضة التانية. كان لازم أواجههم، كان لازم أشتت انتباههم عن مكانها. طلعت للشارع، كان الجو هادي وموحش. لقيت عربية أحمد مركونة على بعد أمتار، وهو كان واقف، بيدخن سيجارة وبصته كانت تايهة.
— “أحمد!” ناديت بصوت عالي.
لف ناحيتي، عيونه كانت حمرا، وشكله كان مبهدل، وكأنه مكنش نايم بقاله أيام. نيرمين كانت واقفة وراه، لابسة عباية سوداء، وشكلها مريب.
— “فينها؟” سأل أحمد وهو بيقرب مني بخطوات تقيلة.
— “شهد مش لعبة يا أحمد. أنت فقدت كل حاجة، حتى بنتك اللي كنت بتدعي إنها عبء، بقيت بتطاردها عشان قرشين؟ أنت وصلت لمرحلة من الحقارة مكنتش أتخيلها.”
ضحك أحمد ضحكة صفراء، وطلع مس*دسه، وصوبه ناحيتي. مكنتش خايفة، بالعكس، كنت مستعدة للموت لو كان ده التمن عشان شهد تعيش بسلام.
— “أنا عايز الفلوس يا مريم. الفلوس دي حقي، دي فلوس أبويا اللي ضيع عمره في الشقا، وأنا أولى بيها من جمعيات خيرية!”
— “أنت مش أولى بقرش واحد! شهد هي اللي أولى، لأنها هي اللي عاشت وجعك أنت وأمها.”
نيرمين بدأت تصرخ: “يا أحمد، سيبك منها، البنت أكيد في بيت الحاج محمود، خلينا نخلص من مريم دي ونروح نجيب شهد بالعافية!”
في اللحظة دي، سمعت صوت “سارينات” بوليس من بعيد. الحاج محمود مكنش نايم على ودانه، كان مكلم المباحث من قبل ما يوصلوا. أحمد اتوتر، بدأ يبص يمين وشمال، ونيرمين بقت في حالة هستيريا.
أحمد مسك دراعي بقوة، وبدأ يسحبني ناحية العربية. “أنتِ هتكوني الضمان بتاعي يا مريم. لو البوليس قرب، هنهي حياتك.”
حسيت ببرودة المعدن على رقبتي، كان حاطط المس-دس، بس في لحظة تهور، ضربته بـ “كعبي” في رجله بكل قوتي، وبعدت عنه. كان فيه “خناقة” بدأت بيني وبينه، حاولت أسحب المس*دس، حسيت بألم في إيدي، بس كنت مصممة. نيرمين حاولت تتدخل وتضربني، بس في الوقت ده، اقتحمت قوة من البوليس المكان.
أحمد حاول يهرب، بس رصاصة تحذيرية في الهوا وقفته. اترمي على الأرض، والكلابشات كانت بتلمع في إيديه. نيرمين وقعت تلطم على وشها وتعيط، بس مكانش فيه حد متعاطف معاها.
الحاج محمود طلع من بيتهم، وشه كان مليان جروح، بس أول ما شافني، جري ناحيتي.
— “بنتي.. مريم.. إنتِ بخير؟”
هزيت راسي بالإيجاب، بس عيوني كانت بتدور على شهد. جريت على بيت الحاج صادق، فتحت الخزانة، لقيتها قاعدة، بتعيط بصوت مكتوم. حضنتها بقوة، حسيت إن العالم كله رجع لمكانه.
عدى يومين، والخبر كان في كل حتة. أحمد ونيرمين اتحبسوا، مش بس بتهمة التهديد، لكن كمان ظهرت ملفات قديمة عن قضايا نصب كانوا متورطين فيها سنين طويلة. شهد بقت في أمان رسمي، والوصاية انتقلت للحاج محمود، وبقيت أنا “الوصي التاني” بناءً على رغبتهم.
بس، الأحداث ماوقفتش عند القبض عليهم. وأنا براجع أوراق أحمد اللي كان سايبها في عربيته، لقيت “أجندة” صغيرة، مكتوب فيها أسماء ناس، وأرقام حسابات، ومبالغ ضخمة. اكتشفت إن أحمد ماكانش بس بيطارد شهد عشان الميراث، ده كان متورط مع عصابة أكبر بكتير، وكانت شهد “الخيط” اللي بيوصلهم لناس تقيلة في البلد.
يعني الموضوع ماكانش عائلي خالص، الموضوع كان أكبر بكتير، وكان فيه “طرف تالت” لسه ماظهرش. وأنا بقلب في الصفحات، وقعت ورقة مكتوب فيها عنوان في وسط البلد، وعليها اسم “شركة مقاولات” مشهورة.
قعدت مع نفسي في هدوء الليل، وأنا باصة لشهد وهي نايمة بسلام. حسيت إن اللي فات ده كله كان مجرد “مقدمة” لمواجهة أكبر. الشخص اللي كان بيشغل أحمد، لسه حر، ولسه بيدور على شهد.
الباب خبط.
فتحت الباب، لقيت ظرف تحت الباب. فتحته بإيدين بتترعش. كان فيه ورقة مكتوب فيها جملة واحدة: *”الميراث مش هو الغاية.. الغاية هي اللي شهد تعرفه.”*
يعني شهد عندها سر؟ حاجة شافتها أو سمعتها وهي صغيرة؟
حسيت إن السقف بيقع عليا. الخطر لسه موجود، واللعبة بقت أذكى بكتير. مش بس مجرد طمع، ده صراع على حياة شهد.. ومستقبلها.
بصيت لشهد وهي نايمة، وقلت لنفسي: “مش هسمح لأي حد يقرب منك، مهما كان التمن.”
**
## الفصل الرابع: الحقيقة المرة.. والبداية الجديدة
الرسالة كانت عاملة زي السم في العسل. “الغاية هي اللي شهد تعرفه”. فضلت باصة للورقة وأنا حاسة إن عقلي بيحاول يربط خيوط متباعدة. شهد طفلة بريئة، إعاقاتها كانت بتخلي الناس تفتكر إنها مش مركزة أو مش فاهمة، بس الحقيقة كانت عكس كدة تماماً. شهد كانت “مُلاحظة” عبقرية، بتخزن في ذاكرتها مواقف، وشوش، وأصوات، حتى لو ماكانتش قادرة تعبر عنها بالكلام.
قعدت جنبها على السرير، مسكت إيديها الصغيرة وبدأت أكلمها، مش كأنها طفلة، كأنها كيان شايل سر تقيل.
— “شهد، يا حبيبتي.. فاكرة البيت القديم؟ فاكرة الناس اللي كانوا بييجوا يقعدوا مع بابا في المكتب؟”
شهد بصتلي، وعيونها اللي كانت دايماً مليانة براءة اتحولت لنظرة تانية.. نظرة خوف ممزوج بتركيز شديد. بدأت تطلع أصوات مش مفهومة، وتشاور بإيديها على رقبتها، وبعدين حطت إيدها على عينها وغمضتها.
فهمت.. هي شافته. هي شافت حاجة ماكانش لازم طفلة تشوفها.
في الصبح، اتصلت بصديق قديم ليا، كان ضابط في المباحث الجنائية، “طارق”. حكيتله كل حاجة، من غير ما أخبي أي تفاصيل، بما فيها الرسالة الغامضة. طارق جالي البيت في المنصورة ومعاه فريق صغير سري. لما شاف شهد، ملامحه اتغيرت.
— “مريم، لو البنت دي شافت حاجة تخص رجال أعمال، يبقى إحنا مش بنواجه عصابة عادية، إحنا بنواجه شبكة فساد واصلة لأعلى المستويات.”
بدأنا نشتغل على “تفريغ” ذاكرة شهد بطريقة لطيفة. استعنا بأخصائية تخاطب وتعديل سلوك كانت بتشتغل معانا، وبدأنا نستخدم الصور والمكعبات عشان تخليها تحكي اللي شافته.
شهد كانت بترسم.. رسمت عربية سودة كبيرة، ورسمت راجل “بشنب” وراجل تاني لابس “بدلة وجزمة بتلمع”. الأهم من كدة، رسمت “شعار” الشركة اللي لقيته في أجندة أحمد.
الصدمة كانت لما اكتشفنا إن الشركة دي هي اللي كانت بتدير “مشاريع استثمارية” غامضة في أراضي الدولة. وأحمد ماكانش شريك، أحمد كان “ساعي بريد” بيوصل رسايل وبياخد عمولات، ولما بدأت الأمور تتكشف، قرروا يتخلصوا منه، بس هما كانوا محتاجين شهد.. لأن شهد كانت “الشاهد الوحيد” على صفقة تمت في مكتبه يوم ما سابونا ومشيوا.
الليل ده كان ليلة الحسم. طارق قالي إنهم رصدوا مكالمات تهديد جاية من رقم دولي، وإنهم بيمهدوا لهجوم على مكان تواجدنا.
— “مريم، لازم تمشوا من هنا. البيت ده اتكشف.”
قبل ما نتحرك، سمعنا صوت تكسير باب البيت. كان هجوم منظم. ناس ملثمين دخلوا البيت كأنهم قوة كوماندوز. أنا والحاج محمود وشهد استخبينا في “قبو” قديم كان تحت أرضية المطبخ، مكان محدش يعرفه غير الحاج محمود.
كنت سامعة صوت ضرب النار، وصوت طارق وهو بيزعق للرجالة بتوعه. قلبي كان بيتدق في ودني. شهد كانت في حضني، مش بتعيط، كانت ماسكة إيدي بقوة وكأنها بتقولي “أنا معاكي”.
فجأة، الباب الحديدي للقبو اتفتح. كان واحد من الملثمين، ماسك س*لاح كاتم للصوت.
في اللحظة اللي رفع فيها الس*لاح، الحاج محمود، الراجل العجوز اللي كنت فاكراه ضعيف، نط عليه بكل قوته. كانت خناقة مفيش فيها رحمة. أنا استغليت الفرصة، وضربت الراجل بـ “طفاية حريق” كانت قريبة مني بكل اللي أوتيت من قوة.
الراجل وقع على الأرض، وقبل ما يقوم، طارق وقوته اقتحموا القبو.
— “الكل يرمي س*لاحه!”
المعركة بره كانت انتهت. البوليس سيطر على الموقف، والرجالة اللي كانوا جايين خطفونا طلعوا “رجالة” تابعين لواحد من أكبر رجال الأعمال في البلد، اللي كان خايف إن شهد تفتح بوقها وتكشف تورطه في قضايا غسيل أموال وتهريب آثار.
المحاكمة كانت حديث البلد. أحمد ونيرمين، في قفص الاتهام، كانوا بيحاولوا يرموا التهمة على بعض. بس الشهادة اللي قدمتها، مع الأدلة اللي جمعناها من “رسمات” شهد وتسجيلات أحمد اللي لقيناها، كانت كفيلة إنهم ياخدوا أحكام مشددة.
أما رجال الأعمال اللي كانوا ورا كل ده، فكلهم وقعوا واحد ورا التاني بعد ما شهد “بإشاراتها” أكدت هويتهم قدام النيابة.
بعد شهرين من المحاكمة والضغوط، بدأت الحياة ترجع لطبيعتها. قعدت مع شهد في جنينة بيت الحاج محمود. الجو كان ربيعي، والشمس كانت دافية. شهد بدأت تتحسن في الكلام، ونطقها بقى أوضح بكتير.
— “ميمي.. مش هنمشي؟”
بصيتلها وابتسمت، ومسحت على شعرها.
— “لا يا شهد.. خلاص، مفيش حد هياخدك مني تاني. إحنا هنا في بيتنا.”
الحاج محمود كان قاعد بيراقبنا من بعيد، ودموع الفرح كانت في عينيه. هو كمان لقى فينا العوض بعد ما فقد بنته في طريق الغلط.
أنا مريم، اللي كانت فاكرة إن حياتها اتدمرت لما أحمد سابها. بس الحقيقة، إن أحمد ماكانش خذلاني، أحمد كان “درس” عشان أتعلم إني قوية، وإن عندي قلب يقدر يحب ويدافع ويغير حياة طفلة كانت ميتة في نظر الناس.
أخدت قرار إني أفتح “مركز رعاية وتأهيل” للأطفال اللي في ظروف شهد، في القاهرة، وبدعم من الحاج محمود وبمساعدة طارق.
الماضي؟ الماضي بقى مجرد صفحة مطوية. الخوف؟ الخوف انتهى لما عرفت إني مش لوحدي، وإن فيه رب كريم بيحمي اللي بيحمي الضعفاء.
شهد قامت وقفت على رجليها -بمساعدة العكاز- وجت ناحيتي بخطوات واثقة.
— “بحبك يا ميمي.”
كلمة واحدة كانت كفيلة تمسح كل الوجع، كل الليالي اللي قضيتها خايفة، وكل الدموع اللي نزلت.
بدأت حياتي من جديد، بس المرة دي، كنت أنا اللي بكتب فصولها، وبإيدي، وبإيد شهد، كملنا الطريق.
مش كل نهاية قصة هي حزن، أحياناً، بتكون البداية الحقيقية لكل حاجة حلوة بنستناها. والحقيقة اللي اتعلمتها، إن مهما الدنيا قست علينا، بيفضل فيه “أمل” صغير، لو تمسكنا بيه، يقدر يغير كل حاجة.
**هل يا ترى يا مريم، بعد كل اللي مريتي بيه، ناوية تسمحي لنفسك بفرصة تانية في الحب والحياة، ولا قلبك لسه قافل بابه بعد تجربة أحمد؟**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *