حكايات أماني سيد ج 1

حسيت بخنقة غريبة بتزيد في صدري، الشاي مر، والسيجارة ملهاش طعم. فجأة جالي تليفون من جاري اللي ساكن في البيت اللي قصادي، صوته كان متوتر وبيتكلم بسرعة: “الحق يا أبو حميد.. في إيه عندك في الشقة؟ أنا شايف من البلكونة مراتك واقفة في البلكونة وشكلها مش طبيعي.. هدومها متبهدلة وبتعيط بهستيريا وواقفة على السور!”.

دمي اتجمد في عروقي. الموبايل كان هيقع من إيدي. من غير ما أنطق بكلمة واحدة، قمت جري، سيبت كل حاجة ورايا وبقيت بجرى في الشارع كالمجنون، ضربات قلبي كانت دقاتها مسموعة لدرجة مرعبة، والسيناريوهات السودا كلها بدأت تلف في دماغي. “لو جرى لها حاجة.. أنا السبب.. أنا اللي خذلتها”.

وصلت البيت، طلعت السلم تلات درجات في خطوة واحدة، فتحت باب الشقة ودموعي لأول مرة تنزل من الرعب. دخلت الصالة ملقتهاش، جريت على البلكونة.. ملقتهاش واقفة على السور، بس لقيت ضفتين البلكونة مفتوحين على الآخر.

بصيت في الأرض بلهفة، لقيت شنطة هدومها الكبيرة مفتوحة في نص الصالة، ومحطوط فيها شوية من هدومها المقطعة على كام حتة تانية سليمين، والدرج اللي بنشيل فيه الأوراق الرسمية (بطاقتها، وقسيمة الجواز، ودهبها) مفتوح ومفيش فيه ورقة واحدة.

عرفت إنها منتحرتش.. هي أخدت قرار تاني تماماً.

جريت على باب الشقة ونزلت على السلم بصرخ باسمها، بس مكنش ليها أي أثر في الشارع. سألت حارس العقار قالي بنبرة لوم وعتاب واضحة: “المدام نزلت يا أستاذ، كانت بتعيط وهدومها مقطعة ومتبهدلة وواخدة في إيدها شنطة.. صعبة على الكافر يا فندم، أنا وقفت لها تاكسي وركبت فيه ومشي”.

وقفت في نص الشارع مشلول، مش عارف أروح فين ولا أكلم مين. هي ملهاش حد، ملهاش أب يفتح لها بابه، ولا أم تترمي في حضنها، ولا أخ ييجي ياخد لها حقها.. هي يتيمة. وده المفروض كان يخليني أحميها، مش أكسرها. الكلمة اللي أمي وأختي عايروها بيها: “مالكيش كبير” رنت في ودني وقطعت قلبي.. لأني أنا اللي كان المفروض أكون كبيرها، وأنا اللي صغرتها.

طلعت الشقة تاني وأنا حاسس إن البيت بقى قبر، واسع ومظلم وبارد. قعدت في الصالة في نفس المكان اللي سيبتها فيه تنضرب. تليفوني رن، بصيت بلهفة افتكرتها هي، بس لقيت الرقم غريب.. فتحت الخط بسرعة وجالي صوت راجل وقور بس نبرته حاسمة ومفيهاش أي مجال للهزار:

ـ “أنا الشيخ عبد الرحمن، إمام المسجد الكبير اللي في أول الحي.. مراتك عندي في مكتب المسجد يا أستاذ، لجأتلي وهي بالمنظر اللي أهلك سابوها فيه.. ومعاها تقرير طبي من المستشفى بكل إصابة في جسمها، ومصممة على اللي في دماغها”.

 

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *