جوز اختي ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

بعدها قال:

— مش قادر.

وقفل الخط.

فضلت قاعدة مكاني أبص للتليفون كأني مستنية يرن تاني.

لكن ما رنش.

طول الليل معرفتش أنام.

كل الاحتمالات كانت بتلف في دماغي.

هل أختي كانت مخبية سر؟

هل كان بينهم مشاكل؟

هل كانت رافضة فكرة جوازنا أصلًا؟

ولا فيه حاجة تانية أخطر؟

مع أول ضوء للنهار كنت مرهقة جدًا.

صحيت الأولاد وجهزتهم للمدرسة.

وأمي كانت واقفة في المطبخ بتحضر الفطار.

واضح إنها هي كمان ما نامتش.

بصتلي وقالت:

— فكرتي؟

تنهدت.

— في إيه؟

قالت:

— في الموضوع.

عرفت تقصد إيه.

الموضوع بقى هو الكلمة اللي كل الناس حواليا بتستخدمها بدل كلمة الجواز.

كأن مجرد نطق الحقيقة بقى صعب.

قلت وأنا بصب الشاي:

— مفيش حاجة أفكر فيها.

قالت بسرعة:

— ليه؟

— لأن مفيش راجل هيطلب مني أسيب ولادي وأوافق.

أمي سكتت لحظة.

بعدها قالت:

— وهو مش بيقول سيبيهم للأبد.

ضحكت بمرارة.

— أمال إيه؟

— بيقول يعيشوا مع أبوهم.

لفيت أبصلها.

— وإنتِ شايفة ده عادي؟

أمي بعدت بعينيها.

ولأول مرة لاحظت قد إيه وشها بقى مرهق.

وشها اللي كان دايمًا مليان قوة بقى فيه خطوط تعب واضحة.

قالت بصوت واطي:

— أنا كبرت يا بنتي.

الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.

لأنها حقيقية.

أمي فعلًا بقت شايلة فوق طاقتها.

أربع أطفال في البيت.

طلبات ومصاريف ومشاكل ومدارس.

وأنا رغم إني بشتغل من البيت وأحاول أساعد، لكن الحمل عليها كان كبير.

فضلت ساكتة.

قالت:

— أنا مش ضد أولادك.

— أمال ضد إيه؟

— ضد إنك تضيعي عمرك كله.

بصيت لها ومردتش.

لأن الحقيقة إن الخوف كان جوايا أنا كمان.

الخوف من الوحدة.

الخوف من المستقبل.

الخوف من إني أفضل طول عمري لوحدي.

لكن كل ده كان بيختفي أول ما أبص لأولادي.

بعد الضهر رن التليفون.

كان هو.

بصيت للاسم ثواني قبل ما أرد.

— ألو.

— ممكن أشوفك؟

سألته:

— ليه؟

قال:

— علشان أكمل الكلام اللي بدأته امبارح.

وافقت.

واتقابلنا في كافيه هادي بعيد عن البيت.

أول ما قعدت قدامه حسيت إنه متوتر.

أكتر من أي مرة قبل كده.

كان بيقلب فنجان القهوة بإيده بدون ما يشرب.

قلت مباشرة:

— قول.

رفع عينه وبصلي.

وقال:

— قبل ما أختك تتوفى بشهرين تقريبًا، حصل بينا خلاف كبير.

اتجمدت.

أختي عمرها ما حكتلي حاجة.

سألته:

— خلاف على إيه؟

قال:

— على الأولاد.

استغربت.

— أولادها؟

هز راسه.

— كانت خايفة عليهم جدًا.

سكت لحظة.

بعدها كمل:

— أكتر من خوف أي أم طبيعية.

فضلت مستنية.

قال:

— وفي مرة قالتلي حاجة غريبة عمرها ما خرجت من دماغي.

— إيه هي؟

تنهد.

— قالتلي لو حصلي حاجة… أوعى حد يحسس ولادي إنهم حمل على حد.

حسيت قشعريرة في جسمي.

دي فعلًا كانت شخصية أختي.

طول عمرها كده.

قال:

— وقتها زعقتلها وقلتلها تبطل كلام وحش.

وسكت.

قلت:

— وبعدين؟

بص للأرض.

— وبعدين حصل اللي حصل.

لأول مرة أحس بالحزن الحقيقي في صوته.

الحزن اللي بيحاول يخبيه من سنة كاملة.

قال:

— بعد وفاتها كنت كل يوم بفتكر الجملة دي.

سكت شوية.

وأضاف:

— وكل ما حد يفتح موضوع الجواز كنت بقفله فورًا.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *