السمك ج الأخير حكايات زهرة الربيع

عمي عبد الحميد هز رأسه وقال بأسى:

– “الطمع قل ما جمع.. والظلم آخره خراب.. وكمل يا ابني، إيه اللي جرى بعد كدا؟”

المحامي قال:

– “أصحاب الشيكات ميرحموش.. رفعوا عليه قضايا، والبوليس هجم على الشقة اللي كانوا مأجرينها وقبضوا على أحمد وهو هربان فوق السطوح وسط فضيحة جيرانه كلهم! أحمد دلوقتي أخد حكم بسبع سنين سجن مشدد، ومسجون في سجن عمومي.. أما الحاجة صفية، فمن الصدمة والخزي، ومنظر ابنها وهو بيتسحب بالكلابشات قدام المنطقة، جات لها الجلطة الحقيقية المرة دي.. وشللها بقا كامل، ومبقتش تنطق بكلمة واحدة، وقاعدة في أوضة ضلمة لا حيلة لها ولا قوة.”

### ذنب البشر

سكت تماماً.. مكنتش شمتانة، بس كنت حاسة بعدل ربنا وهو بيتحقق في الدنيا قبل الآخرة. الست اللي رمت أكل عيشي في الزبالة وعايرتني بأصلي، بقت مش قادرة ترفع لقمة بوقها لنفسها. والراجل اللي استقوى عليا وظلمني خمس سنين وخاف من الفضيحة ثانية واحدة، بقى لابس البدلة الزرقا ومقضي شبابه ورا القضبان والكل بيتكلم عن خيبته.

سألت المحامي:

– “ومنة؟ منة أخت أحمد راحت فين وسط المعمعة دي؟”

المحامي اتنهد وقال:

– “منة بعد سجن أخوها وفضيحة أمها، العريس الجديد طبعاً هرب ومبقاش حد يعتب بابهم. البنت لقت نفسها بطولها، مفيش معاها مليم يصرف على علاج أمها المشلولة ولا على مأكلهم، وسابوا البندر خالص بعد ما وبشهم بقى في الأرض، وسمعت إنها نزلت تشتري طلبات وتشتغل في البيوت عشان تلاقي اللقمة!”

### المواجهة الأخيرة خلف القضبان

رغم إن حقي رجع وزيادة، كان جوايا إحساس إني لازم أحط نقطة النهاية بنفسي في كتاب عيلة عمران. بعد أسبوع، أخدت تصريح زيارة وسافرت السجن العمومي.

وقفت ورا السلك الحديد، وبعد دقائق ظهر أحمد.. مكنش لابس الهدوم المتبهدلة بتاعة زمان، ده كان لابس بدلة السجن الزرقا، شعره محلوق ميري، وشه باهت وعيونه مكسورة ومطفية تماماً. أول ما شافني واقفة بكامل أناقتي وقوتي، مسك في السلك ودموعه نزلت زي المطر:

– “ندى! أنتِ جيتي؟ جيتي عشان تشمتي فيا يا ندى؟”

بصيت له بكل هدوء ونبرة صوتي كانت خالية من أي غضب أو شماتة، وقولت له:

– “أنا عمري ما كنت شمتانة يا أحمد، ولا جيت عشان أشوف كسرتك.. أنا جيت عشان أديك الأمانة دي.”

طلعت من شنطتي المغلف الكبير القديم.. المغلف اللي كان فيه شهادة ميلاد أم صفية وعقود “المعلم مبروك الصياد”.. وحطيتها للعسكري يوصلها له.

أحمد بص للمغلف بذهول وقال:

– “أنتِ بترجعي لي الورق؟ بعد كل اللي حصل؟”

قولت له وأنا بأداري ظهري وماشية:

– “الورق ده مابقاش ليه لازمة معايا، لأن سركم مابقاش سر، وربنا فضحكم بعدله.. أنا جيت أقول لك إني مسامحاك في حقي الشخصي عشان مش عايزة يربطني بيك ولا بعيلتك أي حبل يوم القيامة.. سيبتكم لعدالة السماء، وهي قامت بالواجب.”

سبته واقف يبكي ويصرخ ورا السلك وينادي على اسمي، وخرجت لبوابة السجن الكبيرة، الهوا برا كان طعمه حرية وانتصار حقيقي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *