مرات ابني ج 2 حكايات روماني مكرم

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الجزء الرابع:

وقف الزمان في مدخل العمارة، ونظرات الحاضرين كلها اتعلقت بالورقة اللي مروة مادت بيها إيدها لمحمود. أبوها وأمها واقفين بملابس الإحرام البيضا اللي كانت بتعكس نقاء قلبهم، في مقابل السواد والكسرة اللي كانوا باينين في عين محمود.

محمود مسك الورقة بإيد بتترعش، ونزل عينيه يقرأ السطور. مكنتش ورقة طلاق زي ما جه في باله، مكنتش نهاية.. كانت حاجة أصعب بكتير وأقسى على كرامته. مروة كانت كاتبة “تنازل رسمي وإقرار”؛ تنازل منه عن كل سلطة ليه في البيت، وإقرار بجدولة الديون اللي عليه ليها بالمليم، مع شرط جزائي يخليه يروح ورا الشمس لو فكر يوم يدخل أمه في حياتهم أو يرفع صوته في البيت تاني.

محمود رفع عينه ليها والدموع غرقاها: “إنتِ بتمضيني على مـ,ـوتي يا مروة؟ عايزاني أبقى مجرد خيال مآتة في بيتي؟”

مروة عدلت نضارتها بكل برود وقالت: “ده لو عاوز يفضل ليك بيت من الأساس يا محمود. الورقة دي هي تمن رجوعك للشقة الفوقانية لما أرجع من العمرة، وهي الضمان الوحيد إن ولادك يفضلوا في حضنك وفي مدارسهم. مش عاجبك؟ المحامي بتاعي بكره الصبح هيكمل إجراءات النفقة والحجز على مرتبك، والطلاق هيحصل بحكم محكمة. قدامك لحد ما أرجع من بيت الله الحرام تفكر.. وتمضي، أو تسيب الورقة وتنسى إن كان ليك زوجة اسمها مروة.”

أبو مروة طبَطب على كتف محمود وقال بنبرة هادية بس مليانة لوم: “يا ابني، إحنا ياما شيلناك، وبنتي عمرها ما قصرت معاك ولا استخسرت فيك لقمة، لكن تشمت فيها الغريب وتقوم أمك عليها عشان بتبرنا؟ ده جزاء الإحسان؟ سيبنا بقى نروح لربنا بقلوب صافية، وفكر في حالك.”

مروة شاورت للسواق يشيل الشنط، وركبت العربية مع أبوها وأمها من غير ما تلتفت وراها، وسابت محمود واقف بطوله في ضلمة الشارع، ماسك الورقة في إيده وكأنها جمرة نار بتلسع صوابعه.

رجع محمود البيت وهو بيجر رجليه جر. الشارع كان هس هس، وصوت جزمته على الأرض كان بيعمل صدى صوت مرعب. دخل شقة أمه تحت، لقى الحاجة فاطمة قاعدة على السرير، عينيها حمرة من العياط والغيظ، أول ما شافته دخل، قامت وقفت وسألته بلهفة: “عملت إيه يا محمود؟ طردت الحرباية وأهلها؟ وريتها قيمتها؟”

محمود بص لأمه بنظرة خالية من أي تعبير، نظرة ميت بيحاكي حي. رمى الورقة على السرير قدامها وقال بصوت واطي ومبحوح: “شوفي قيمتي إنتِ يا أمي.. شوفي قيمتي اللي ضاعت بسببك. الهانم سافرت العمرة، وسايبالي الورقة دي.. إما أمضي وأبقى عبد ليها ولشروطها، أو أترمي في السجن والديون تاكلني ولادي يضيعوا مني.”

فاطمة مسكت الورقة وقرأت كلام المحامي، وشها جاب ألوان وصوتت: “يا مصيبتي! عايزة تكسر راجلي؟ عايزة تلغي وجودك؟ أوعى تمضي يا محمود! تمـ,ـوت جوع ولا تمضي على ذل نفسك لست!”

محمود ضحك بوجع وسخرية عالية هزت حيطان الأوضة، ونزل على ركبه قدام أمه وصرخ: “أمـ,ـوت جوع لوحدي يا أمي؟! ولا أمـ,ـوت مديون ومفضوح وسط الناس والمحاضرين تحت بيتي؟! المدارس اللي بتقولوا عليها فاشخرة دي، تمن ترم واحد فيها يعدي مرتب المعمل بتاعي في سنة! قسط العربية اللي راكبها وبقول أنا صاحب عربية، مروة اللي كانت بتدفعه من شقاها في الشركة الإنترناشونال! أنا مكنتش راجل بفلوسي يا أمي، أنا كنت راجل بسترها ليا ولبيتي، وإنتِ جيتي بايدك وهديتي الستر ده!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *