البنت الكبيرة مالهاش حق تتعب ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

مسكت إيد جدتها وقالت برجفة:
— بالله عليكي يا تيتة ما تقوليش لحد… لو الشؤون الاجتماعية عرفت هياخدوا إخواتي مني. أنا أقدر أراعيهم أحسن… والله أقدر.
وقفت الحاجة فاطمة مكانها كأنها أخيرًا فهمت السر اللي كان مستخبي قدامها من سنين.
ودّت مريم للدكتور.
وبعدين أخدت الأطفال كلهم على بيتها.
ولأول مرة من سنين، ناموا في بيت فيه شخص كبير سألهم قبل النوم:
— حد فيكم جعان؟
ولما رجع حسن وأمينة من السفر لقوا البيت فاضي.
اتصلوا بالشرطة فورًا.
وقدام الباحثة الاجتماعية قعدوا يعيطوا ويقولوا إن بنتهم مضطربة نفسيًا، وإنها أقنعت إخواتها يبعدوا عن أهلهم الحقيقيين.
وقفت تسمع أمها وهي بتقول إنها ممكن تأذي الأطفال.
كأنها بتتكلم عن شخص غريب.
بعدها قرروا يفصلوا الأطفال عن بعض علشان يسألوهم كل واحد لوحده.
يوسف كان بيصرخ من أوضة تانية.
وسلمى بتعيط وبتطلب يرجعوها لـ”ماما”.
أما محمود فكان بيخبط على الباب وهو بينادي عليها.
الباحثة الاجتماعية بدأت تكتب ملاحظات عن وجود تعلق غير طبيعي بين الأطفال والبنت الكبيرة.
رفعت أمينة عينيها ناحية بنتها.
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
وحركت شفايفها من غير صوت:
— أنا حذرتك.
في اللحظة دي فهمت إن أهلها مستعدين يدمروا حياتها كلها علشان يفضلوا مسيطرين على الموقف.
لكنها ماكنتش تعرف إن الحقيقة اللي مخبيينها من سنين كانت على وشك تنكشف…
يتبع في الجزء الثاني…
## الجزء الثاني
تكة المفتاح في الكالون رنت في ودنها زي ضربة قلم. الأوضة مضلمة، ومفيش فيها غير صوت نفس إخواتها الستة وهم بيحاولوا يستخبوا ورا ضهرها. يوسف الصغير كان لسه كاتم شهقته في فستانها، ومحمود ماسك في كم التيشرت بتاعها لدرجة إن صوابعه ابيضت.
الحيطة اللي عليها ورقة المواعيد والتطعيمات كانت باينة في ضوء السهاري الصغير، كأنها شاهدة على سنين من الشقا اتبخرت في لحظة بكلمة واحدة من أمها: “مضطربة نفسيًا”.
قعدت على طرف السرير، وسحبت يوسف في حضنها وهي بتطبطب على ضهره بحركة أوتوماتيكية حفظتها صوابعها من سنين. مريم كانت بتعيط في الساكت، ودقنها المتخيطة لسه عليها الشاش الأبيض اللي ريحته مطهر.
— “ماما.. هي طنط بتاعة الشؤون دي هتاخدنا بجد؟”
محمود اللي سأل، بصوت مرعوب وواطي كأنه خايف الحيطان تسمعه.
بلعت ريقها الناشف، وحاولت ترسم على وشها الابتسامة اللي دايمًا بتستعملها لما النور بيقطع أو لما الرعد بيضرب في الشتا:
— “محدش يقدر ياخدكم طول ما أنا هنا يا حودة. عيب عليك.. هو أنا مش مامتكم الكبيرة برضه؟ يلا كله يغمض عينه.. بكرة الصبح هنلعب لعبة جديدة.”
ناموا.. أو اتظاهروا بالنوم من كتر الخوف. لكن هي عيونها فضلت مفتوحة في الضلمة، بتفكر في ابتسامة أمها الشمتانة والتهديد اللي اترمى في وشها. “أنا حذرتك”. الأم اللي المفروض تكون مصدر الأمان، بقت هي المصدر الأول للرعب.
الساعة عتّت اتنين بعد نص الليل لما سمعت صوت زعيق جاي من الصالة برّه.
الصوت كان عالي ومكتوم في نفس الوقت، كأنهم بيحاولوا يتخانقوا من غير ما الجيران يسمعوا. حطت يوسف بالراحة على السرير، وقامت مشيت على طراطيف صوابعها لحد الباب. حطت ودنها على الخشب القديم وهي كاتمة نفسها.
— “انتي اتجننتي يا أمينة؟”
ده كان صوت أبوها، حسن، بس مكنش فيه النبرة الباردة المعتادة. كان فيه رعشة خوف حقيقية:
— “الست بتاعة الشؤون دي مش غبية.. شافت نظرات العيال وشافت الورقة اللي البنت كاتباها على الحيطة.. لو فتشوا ورا ورقة المستشفى بتاعة مريم والـ 17 مكالمة اللي ما ردناش عليهم، هنروح في داهية!”
ردت أمينة بصوت حاد ومغلول:
— “جرى إيه يا حسن؟ هتموت في جلدك؟ البنت لازم تطلع مجنونة ومضطربة.. ده الحل الوحيد عشان نطلع برة الليلة دي. لو المحضر اتعمل ضدنا بالإهمال، الست دي هتنكش في الدفاتر القديمة.. وانت عارف الدفاتر القديمة فيها إيه!”
سكت حسن شوية، وصوت كبريت بيولع سيجارة قطع الصمت، وبعدين قال بنبرة واطية:
— “والحاجة فاطمة؟ أمك مش هتسكت.. أنا شوفت عينيها في الوحدة الصحية، الست دي عرفت.. عرفت إننا مسافرين وسايبين عيل عنده سنتين مع بنت عندها 14 سنة.. وعرفت اللي حصل زمان.”
أمينة ضحكت ضحكة مسخوطة:
— “أمي أخرها تطبطب وتعيط.. لكن ما تقدرش تفتح بقها عشان الفضايح.. المهم دلوقتي البنت دي ما تتكلمش مع حد واصل.. أنا قفلت عليها الباب، والصبح هوديها للدكتور مدحت يكتبلها شهادة حالة، ونخلص.”
ورا الباب، البنت كانت واقفة جسمها كله بيتنفض. الساقعة مش من الجو، الساقعة كانت بتجري في عروقها. “الدفاتر القديمة؟” “اللي حصل زمان؟”
الألغاز بدأت تتجمع في دماغها. هي طول عمرها فاكرة إنها مجرد بنت بتساعد أمها المهملة، لكن الكلام ده معناه إن فيه سر أكبر.. سر هما مستعدين يضحوا بيها ويدخلوا مصحة أو يدمروها عقليًا عشان يفضل مدفون.
مع أول ضوء فجر، مكنتش نامت دقيقة واحدة. شريط حياتها كله كان بيتعاد قدامها. افتكرت لما كان عندها 8 سنين.. اليوم اللي أمها رجعت فيه بمحمود. افتكرت تفصيلة صغيرة عمرها ما ركزت فيها.. أمها مكنتش تعبانة من الولادة زي بقية الستات. كانت لابسة طقم خروج كامل وشيك، ووشها مكنش فيه إرهاق الوالدة. حطت الواد في حضنها وقالتلها “ده مسؤوليتك” كأنها بتسلمها طرد بريدي مش ابنها اللي لسه نازل من بطنها!
طقطقة مفتاح الباب تاني الصبح قطعت حبل أفكارها.
دخلت أمينة، وشها كان خالي من أي مشاعر، ماسكة في إيدها صينية عليها عيش وجبنة. حطتها على الكومودينو وبصت للبنت اللي كانت واقفة ومربطة إيدها ورا ضهرها.
— “إخواتك هيروحوا المدارس واللا هيفضلوا غايبين؟” أمينة سألت ببرود.
البنت ردت وعينها في عين أمها لأول مرة بقوة: “أنا جهزت لبسهم.. خليهم ينزلوا. هما مالهومش ذنب في اللي بتعمليه معايا.”
أمينة قربت منها، مسكتها من كتفها وضغطت عليه لدرجة الوجع:
— “شايفة النشفان اللي في عينك ده؟ هو ده اللي هيوديكي ورا الشمس. كمان ساعتين هلبسك وهنروح لمشوار.. الدكتور هيشوفك، وتقولي كل اللي هقولهولك.. لو فكرتي تلعبي بديلك وتألفي حكايات للست بتاعة الشؤون، إخواتك دول هيتوزعوا على سبع ملاجئ.. محمود في مكان ويوسف في مكان.. والتوأم مش هيشوفوا بعض تاني.. فاهمة؟”
البنت ما نزلتش دموع. الوجع اللي في كتفها مكنش ييجي حاجة جنب الوجع اللي في قلبها. هزت راسها بالموافقة من سكات.
بعد ما الأطفال نزلوا مع أبوهم عشان يوصلهم، البيت فضي. الجو كان تقيل ومكتوم. أمينة دخلت الأوضة تلبس، وسابت البنت لوحدها في الصالة.
في اللحظة دي، تليفون البيت الأرضي رن.
البنت بصت لحجرة أمها، وبسرعة البرق رفعت السماعة قبل ما أمها تسمع.
— “ألو؟” صوتها كان مخنوق.
— “يا بنتي؟ انتي كويسة؟”
ده كان صوت الجدة.. الحاجة فاطمة. صوتها كان دافي وفيه لهفة حقيقية.
— “تيتة.. ألحقيني..” البنت همست بسرعة وهي بتبص وراها: “عاوزين يودوني لدكتور ويطلعوني مجنونة.. وبيقولوا فيه دفاتر قديمة وسر لو اتعرف هيروحوا في داهية.. تيتة أنا خايفة على العيال.”
صوت الحاجة فاطمة اتغير تمامًا، اتحول من اللهفة للغضب المكتوم، ونفست بحدة:
— “الكلاب.. لسه برضه هيرموا بلاهم عليكي؟ اسمعيني يا بنتي.. مفيش دكتور هيلمس شعرة منك. أنا جاية في الطريق ومعايا اللي هيقفل بوق أمك وأبوكي ده للأبد.. متخافيش.. ومتوافقيش تخرجي من البيت لحد ما آجي.”
السماعة اتقفلت، والبنت واقفة مذهولة. الحاجة فاطمة عارفة السر.
في نفس اللحظة، خرجت أمينة من الأوضة وهي بتعدل طرحتها، وبصتلها بشك:
— “كنتي بتتكلمي مين؟”
— “محدش.. ده كان نمرة غلط.” البنت ردت وهي بتحاول تثبت رجليها اللي بتترعش.
— “طب يلا قدامي.. العربية مستنية تحت.”
نزلت البنت مع أمها، وأبوها كان مستنيهم في العربية تحت البيت. الشارع كان هادي، الشمس لسه بتبدأ تطلع وتغسل بيوت الحي الشعبي. ركبت البنت في الكنبة الوراانية، وحسن دور العربية وطلع وهو باصص في المراية بقلق كل دقيقة.
طول الطريق، مفيش حد اتكلم كلمة واحدة. أمينة كانت بتبص من الشباك وبتفرك في إيدها بتوتر، وحسن كان بيسوق بسرعة مش طبيعية.
العربية وقفت قدام عمارة شكلها قديم في مصر الجديدة، يافطة كبيرة مكتوب عليها “دكتور مدحت علام – استشاري الأمراض النفسية والعصبية”.
نزلوها، ودخلوا العمارة. الأسانسير كان عطلان، فطلعوا السلم. البنت كانت حاسة إن كل خطوة بتخطيبها على السلم ده هي خطوة ناحية سجن مش هتخرج منه. دخلوا العيادة، وكانت فاضية تمامًا لأن الميعاد كان مخصوص ومترتب قبل مواعيد الشغل الرسمية.
الممرضة دخلتهم فورًا لمكتب الدكتور.
الدكتور مدحت كان راجل خمسيني، بنضارة طبية وعينين باردة ما تترأيش فيها أي رحمة. بص للبنت وبعدين بص لحسن وأمينة وقال:
— “أهلاً يا حسن بيه.. هي دي البنت؟”
حسن هز راسه: “أيوه يا دكتور.. زي ما فهمتك في التليفون.. البنت بتعاني من هلاوس، وبتتخيل إنها هي اللي مسؤولة عن البيت، ووصلت لمرحلة خطيرة إنها تسببلنا مشاكل مع جهات رسمية وتتهمنا بالإهمال.. إحنا محتاجين تقرير طبي عاجل يثبت حالتها عشان نحميها ونحمي إخواتك من تصرفاتها.”
الدكتور مدحت لف بكرسيه وبص للبنت: “اسمك إيه يا شاطرة؟”
البنت فتحت بقها عشان تتكلم، بس قبل ما تنطق بحرف، باب المكتب اتفتح بقوة وعنف خبط في الحيطة.
الكل لف وشه ومصدوم.
كانت الحاجة فاطمة، واقفة بطولها وهيبتها، ولابسة عبايتها السودا، ووراها راجل في الخمسينات برضه، لابس بدلة شيك وماسك في إيده شنطة جلد سودا.
أمينة وقفت ووشها اتقلب ألوان: “أمي؟! انتي إيه اللي جابك هنا؟ وازاي تدخلي كده؟”
الحاجة فاطمة ما ردتش على بنتها. بصت للدكتور مدحت وقالت بصوت قوي زلزل المكتب:
— “اسمع يا دكتور مدحت.. لو القلم ده لمس الورقة عشان تكتب شهادة زور للبنت دي، أنا مش هقفل عيادتك بس.. أنا هسجنك جنب الاتنين النصابين دول.”
الدكتور مدحت وقف بغضب: “انتي مين يا ست انتي؟ وازاي تدخلي عيادتي بالطريقة دي؟ أنا هطلب الأمن!”
الراجل اللي مع الحاجة فاطمة خطى خطوتين لقدام، وطلع كارنيه من جيبه وحطه على مكتب الدكتور:
— “أنا المستشار أحمد الهواري.. محامي الست فاطمة.. والأمن بتاع العمارة واقف برة وعارف إحنا مين. التقرير اللي انت هكتبه ده يا دكتور لو طلع، هيتقدم قصاده بلاغ للنيابة بالتزوير والاشتراك في جريمة تزوير أوراق رسمية.”
حسن بدأ يعرق، ووقف وهو بيرجع لورا: “تزوير إيه يا فندم؟ دي بنتنا وإحنا أحرار نعالجها!”
الحاجة فاطمة لفت لحسن وبصتله باحتقار مقرف:
— “بنتكم؟ انهي بنت فيهم يا حسن؟ الكبيرة اللي دمرتوا طفولتها وخليتوها خدامة لعيال مش عيالها؟ واللا البنت اللي ماتت زمان وانتوا دفنتوا سرها؟”
الكلمة نزلت على الأوضة زي الصاعقة. البنت بصت لجدتها ومش فاهمة حاجة. “عيال مش عيالها؟” “بنت ماتت زمان؟”
أمينة صرخت بانهيار: “اسكتي يا أمي! اسكتي ما تخربيش البيت!”
— “البيت مخروب من يوم ما طمعكم عمى عيونكم!” الحاجة فاطمة زعقت، وطلعت من شنطتها ملف قديم لونه أصفر ومتبهدل، وحطته قدام البنت على المكتب.
— “افتحي الملف ده يا بنتي.. افتحيه وشوفي أمك وأبوكي الحقيقيين مين.. وشوفي العيال اللي انتي بتموتي نفسك عشانهم دول يقربولك إيه.”
البنت إيدها كانت بترتعش وهي تمدها للملف الأصفر. فتحت الغلاف، وأول حاجة وقعت عينيها عليها كانت شهادة ميلاد.. شهادة ميلاد باسمها هي، لكن خانة الأم وخانة الأب كان مكتوب فيهم أسامي تانية خالص!
الأب: كريم رأفت السيوفي.
الأم: منى عبد الرحمن فاطمة.
بصت لجدتها بعيون مليانة تشتت وعياط محبوس: “تيتة.. ده.. ده إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.. مين دول؟”
الحاجة فاطمة قعدت على الكرسي وجرّت حفيدتها لحضنها، وقالت وهي بتبص لأمينة وحسن بغل:
— “دول أبوكي وأمك الحقيقيين يا قلب تيتة. كريم أخو حسن، ومنى أخت أمينة.. الاتنين ماتوا في حادثة عربية من 12 سنة.. وسابوا وراهم ثروة ضخمة.. عمارات وأراضي وفلوس في البنك باسمك وباسم إخواتك.. حسن وأمينة مكانش حيلتهم اللبة، ولما لقوا الثروة دي كلها هتروح تحت وصاية المجلس الحسبي، الشيطان لعب في دماغهم.”
المستشار أحمد كمل الكلام بنبرة قانونية صارمة:
— “الأستاذ حسن والأستاذة أمينة زوروا شهادات ميلاد الأطفال كلهم.. سجلوا محمود والتوأم وكريم وسلمى ويوسف بأساميهم هما، عشان يبقوا الأوصياء الشرعيين على الفلوس ويصرفوا منها براحتهم من غير رقابة المجلس الحسبي.. وطبعًا عشان الخطة تكمن، مكانش ينفع يجيبوا شغالة أو حد غريب يدخل البيت ويكتشف إن الست أمينة مابتولدش أصلًا ولا بتروح مستشفيات.. فكان لازم انتي اللي تشيلي الليلة.. كان لازم تبقي انتي الأم البديلة اللي بتخدم إخواتها الحقيقيين، عشان محدش من برة يشك في حاجة.”
البنت كانت بتسمع والكلام بينزل على دماغها زي المطرقة.
بصت لأمينة اللي كانت ساندة على الحيطة وبتعيط بانهيار، وبصت لحسن اللي كان وشه أزرق وعينيه في الأرض.
كل السنين اللي فاتت.. الإرهاق.. السندوتشات الساعة خمسة الفجر.. الشرابات الضايعة.. الهالات السودة.. الحرمان من اللعب ومن الصحاب.. التهديد بالشؤون الاجتماعية.. كل ده مكنش عشان أمها تعبانة أو مشغولة.
كل ده كان تمثيلية قذرة عشان يسرقوا ورثها وورث إخواتها.
وقفت البنت في نص المكتب. شكلها مكنش شكل بنت عندها 14 سنة خالص.. ملامحها اتصلبت، والدموع اللي في عينيها جفت فجأة وكأنها كبرت 20 سنة في دقيقة واحدة.
بصت لأمينة وقالت بصوت هادي ومرعب من كتر ثباته:
— “عشان كده مكنتوش بتردوا عليا لما مريم كانت بتنزف؟ عشان هي مش بنتك؟ عشان فلوسها هي اللي بتسفركم الساحل؟”
أمينة حاولت تقرب منها وهي بتعيط وتتمسكن: “يا بنتي افهمي.. إحنا ربينالكم الفلوس وعشناكم في مستوى كويس.. أنا اللي ربيتك!”
— “انتي مربيتنيش!” البنت صرخت فيها لأول مرة في حياتها، صرخة هزت حيطان العيادة: “انتي حبستيني! انتي سرقتي عمري وطفتي فرحتي.. وكنتي عايزة ترميني في المصحة عشان الفضيحة ما تطلعش!”
لفت للمحامي وبصتله بقوة: “يا فندم.. الأطفال الستة اللي في البيت دول.. إخواتي من أبويا وأميا؟”
المستشار أحمد هز راسه: “أيوه يا بنتي.. كلكم إخوات شقايم.. والورث بتاعكم موجود ومحمي، وبلاغ التزوير جاهز وهيتقدم للنائب العام خلال ساعة.”
البنت بصت لجدتها الحاجة فاطمة وقالت: “تيتة.. يلا نمشي من هنا.. أنا عايزة أروح لـ إخواتي.”
لما رجعوا البيت، مكنش فيه لا حسن ولا أمينة. المحامي أخد الإجراءات فورًا، وقوة من الشرطة كانت في طريقها للقبض عليهم بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال قصر.
دخلت البنت الشقة، لقت إخواتها الستة قاعدين في الصالة مستنيينها. أول ما شافوها، جريوا عليها كلهم وفضلوا يحضنوها.
— “ماما.. انتي جيتي؟” يوسف الصغير سأل وهو بيتعلق برقبتها.
البنت بصت لجدتها اللي كانت واقفة عند الباب وعينيها مليانة دموع فخر، وبعدين بصت لإخواتها.. إخواتها الحقيقيين اللي دمها بيجري في دمهم، واللّي بقوا مسؤوليتها بجد دلوقتي، بس المرة دي بحريتها وبحبها، مش بالسخرة والتهديد.
سحبتهم كلهم في حضنها، وبصت لورقة المواعيد اللي على الحيطة.. وقررت إن أول حاجة هتعملها بكرة الصبح، إنها تشيل الورقة دي.. وتبدأ تكتب صفحة جديدة خالص.
ولكن، خطوة النيابة والتحقيقات، ومواجهة إخواتها بالحقيقة، والفلوس اللي هترجع.. كل ده كان لسه مجرد بداية لرحلة طويلة..
يتبع في الفصل الثالث…
