سـر أمـي مـرعب ج 3

“أنتم كدابين!” صرخت من ورا ضهر ياسين وأنا حاضنة مريم اللي بدأت تتنفض بعنف أكبر.
الراجل رفع مسدسه وبدأ يوجهه ناحية ياسين: “سلم الطفلة بهدوء.. وإلا هنضطر نخلص منكم ونأخدها كدة كدة.”
ياسين لف وشه ليا بسرعة، وفجأة شفت في عينيه نظرة تضحية خلت قلبي يقف.. مسك إيدي وقالي بوشوشة سريعة: “لما أقولك اجري.. اطلعي على السطح بتاع العمارة اللي جنبنا.. النطة مش بعيدة.. انقذي بنتنا يا ليلى!”
وقبل ما أستوعب، ياسين رمى نفسه بكل قوته على الراجل اللي شايل المسدس، وصرخ بأعلى صوته: “اجرررررري يا ليلى!” للمذيد تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو
صوت ياسين وهو بيصرخ كان آخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تتقلب ورايا لساحة حرب.
ياسين رمى جسمه كله على الراجل الأولاني، ووقعوا هما الاتنين على الأرض، والمسدس طار من إيد الراجل وخبط في خزان الميّة. التنين التانيين هجموا على ياسين وبدأوا يضربوه بعنف، لكن ياسين كان بيحارب بروحه، متبت في رجليهم وعامل بأسماله حيطة سد عشان ما يوصلوليش.
“اجري يا ليلى! ماتبصيش وراكي!” صرخت ياسين الأخيرة طلعت مخنوقة وهو بياكل ضربة قوية بكعب مسدس في وشه.
غميت عيني وجريت.. جريت وأنا شيلة مريم اللي بقت تقيلة في حضني كأنها قطعة حديد، ونبضات بطنها بقت سريعة وبتخبط في صدري. وصلت لطرف السطح.. المسافة بين سطح عمارتنا وسطح العمارة اللي جنبنا كانت حوالي متر ونص، لكن في الضلمة والارتفاع ده، كانت كأنها هاوية للموت.
غمضت عيني، ضميت مريم لقلبي، ونطيت بكل قوتي.
رجلي خبطت في سور العمارة التانية، ووقعت على الخرسانة الناشفة. الألم سمع في ضهري كله، بس مكنتش حاسة بحاجة غير بمريم. بصيت ورايا، شفت الرجالة سابوا ياسين اللي كان غرقان في دمه على الأرض ومبيتحركش، وبدأوا يجروا ناحية السور عشان ينطوا ورايا.
نزلت جري على سلم العمارة التانية، السلم كان ضلمة كحل ومفهوش سكان كتير، نزلت للدور الأرضي وخرجت من البوابه الخلفية على شارع جانبي ضلمة في المعادي.
كنت بنهج، وهدومي متبهدلة دم وتراب، ومريم في حضني أنينها بدأ يقل وجسمها بيسقع.. نفس السقعية اللي أمي قالت عليها.. سقعية الموت.
طلعت تليفوني بإيد بتترعش، وبصيت في الوصل القديم اللي ياسين رماه ليا وهو بيهجم عليهم. شفت اسم الدكتور الممسوح.. مكنش ممسوح بالكامل، كان باين منه حروف: “د. رامي… عيادة الخالدين – وسط البلد”.
أخدت تاكسي من على أول الشارع، الراجل بص لمنظري برعب بس لما رميت له كل الفلوس اللي في شنطتي سكت وساق بأقصى سرعة. طول الطريق وأنا ببص لمريم، البروز في بطنها هدي فجأة، وعينيها اللامعة قفلت، وبقت تتنفس ببطء شديد.
وصلنا وسط البلد بعد نص ساعة كانت كأنها سنة. نزلت ودورت على العنوان في شوارع وسط البلد القديمة، لحد ما لقيت يافطة خشب قديمة ومتهالكة ومكتوب عليها بخط باهت: “عيادة د. رامي الشريف – أبحاث الجينات الوراثية”.
