خطيبي حكايات روماني مكرم ج 3 والاخير

منة بلعت ريقها وهزت راسها بسرعة:
— “موافقين.. والله هيحصل أول ما يمسك الموبايل.”
تابعت وقولت ونبرة صوتي بتتحول لتهديد حقيقي:
— “الشرط الثاني والمهم.. الشقة اللي بيني وبينها دقيقتين مشي دي، سيف يبيعها أو يأجرها ويسيب المنطقة خالص. أنا مش هعيش في مكان، ولا هخرج من بيتي ألاقي بني آدم بالرخص ده في وشي هو وأصحابه. سيف يختفي من حياتنا ومن الشارع ده نهائي.”
أم سيف سكتت من الصدمة، الشقة دي بقاله سنتين بيجهز فيها وكل شقاه فيها، بس مكنش قدامها خيار تاني.. يا الشقة، يا الحبس وضياع المستقبل.
بصت لبنتها وبعدين بصت لي وقالت بصوت مخنوق:
— “موافقين يا بنتي.. الشقة هتتعرض للبيع من بكره، بس تعالي معانا دلوقتي على النيابة نقذيه.”
لبست ونزلت معاهم، وطول الطريق كنت حاسة إني برسم خط نهاية لقصة علمتني كتير. علمتني إن المحب مش اللي بياكل ويؤمر، المحب هو اللي بيشيل ويجبر الخاطر.
وصلنا النيابة، ودخلنا، وشوفت سيف واقف في الممر مستني دوره.. المنظر كان كفيل ينهي كل ذرة زعل جوايا ويديني درس عمري ما هنساه. سيف البشمهندس المتشيك، كان واقف دبلان، وعينيه مكسورة كسر عمري ما شوفت زيها في حياتي. أول ما عينه جت في عيني، دارى وشه للأرض من الخزي، مكنش قادر يرفع عينه في البنت اللي كان بيقولها من كام يوم “يوم ما تبقي في بيتي هبقى أجيبلك”.
دخلت مع المحامي وعملت إقرار التنازل والتصالح بالمعروف قدام وكيل النيابة. وفعلاً، صدر قرار بإخلاء سبيله.
خرجنا بره مبنى النيابة، وسيف استلم حاجته وموبايله. أمه جريت عليه تاخده في حضنها وهي بتعيط، وهو كان زي الج*ثة.. مبيتكلمش ومبينطقش.
منة هزت كتفه وقالتله: “اعمل اللي اتفقنا عليه يا سيف عشان نخلص.”
سيف مسك الموبايل بإيد بترتعش، وفتح الفيس بوك.. وعيني كانت عليه وهي بتراقب كل حركة بيعملها. وكتب البوست اللي هينهي كل حاجة، بس اللي سيف مكنش يعرفه، إن البوست ده لما ينزل، رد فعل الناس وأصحابه عليه هيكون هو القشة الأخيرة اللي هتقسم ضهره وتخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يدخل حياتي.
#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
سيف كان واقف صامِد زي الصنم، عينيه في شاشة الموبايل، وصوابعه بتتحرك ببطء شديد كأنه بيحفر قبره بإيده. كتب الاعتذار الرسمي اللي شرطته عليه، نزل الكلام اللي بيعترف فيه بإن كل اللي قاله كان افتراء، وإن الفسخ جه مني أنا بسبب قلة أصله وبخله.
أول ما داس “نشر” (Post)، حسيت إن في قيد حديد اتفك من حوالين رقبتي وطار في الهوا.
بصيت له نظرة أخيرة.. نظرة مفيش فيها غل، ولا فيها عتاب، كان فيها بس شفقة على بني آدم ضيع نفسه وبيته ومستقبله عشان “سندوتش شاورما” استخسره في واحدة كانت بتعمله الفطير والمحشي وهي تعبانة وصايمة.
لفيت ضهري ومشيت أنا وأمي، وسبناه واقف مع أمه وأخته في وسط الزحمة، مكسور الخاطر والعين.


