حكايات نور محمد ج 2

زحفت بسرعة وخرجت من شباك الباب المكسور، وشديت تيا ورايا. الجو بره كان هوا ساقع وسكوت تام. كنا في نص طريق العين السخنة القديم، ومفيش أي عربية معدية.
شيلت تيا وبدأت أجري على رجلي في الضلمة، مش عارفة رايحة فين، بس كل اللي ف بالي إني أبعد عن العربية قبل ما عاصم يوصل، لأن أكيد التاكسي فيه جهاز تتبع (GPS).
بعد حوالي عشر دقائق من الجري والنهج، لمحت من بعيد أضواء كشافات عربية جاية من ورايا.. بس الصدمة إن العربية كانت جاية ببطء، وكأنها بتدور على حاجة. لما قربت، عرفت الموديل.. دي عربية عاصم الجبالي السودا!
قلبي سقط في رجلي. لمحت على جانب الطريق منزل مهجور أو استراحة قديمة مهدومة ومفتوحة. جريت واستخبيت ورا سور من الطوب الأحمر المهدوم، وكتمت بق تيا بـ إيدي عشان لو أنتها تطلع ميتسمعش.
العربية السودا وقفت بالظبط قدام الحتة اللي أنا مستخبية فيها. الباب اتفتح، ونزل منه عاصم وهو ساند على عصايه، وجبهته متغطية بالشاش الأبيض، وجنبه نزلت سلمى وهي ماسكة كشاف كبير وبتوجهه يمين وشمال.
سلمى بصت لعاصم وقالت بصوت مليان حقد:
– “عاصم.. العربية بتاعة التاكسي مقلوبة على بعد كيلو من هنا، أكيد هي مستخبية قريب.. مش هتكون جريت بالبنت كل ده.”
عاصم رفع المسدس الكاتم للصوت، وبدأ يتحرك برجل ثقيلة ناحية البيت المهجور اللي أنا فيه، وقال بصوت جهوري هز المكان:
– “أنا عارف إنك سامعاني يا… تيا بتمـ,ـوت، فاضل أقل من ربع ساعة والسم هيروش على مخها ويمـ,ـوتها سكتة دماغية. اطلعي وخذي الترياق، أو خليكي مستخبية واخرجي بيها جـ,ـثة!”
خطوات رجله كانت بتقرب من السور اللي وراه.. كنت سامعة صوت الحصى وهو بيتحطم تحت جزمته. تيا في حـ,ـضني بدأت تتشنج تشنج عنيف، وجسمها كله بيترعش.. الوقت خلص، والسم بدأ يوصل للمرحلة الأخيرة!
وفي اللحظة اللي عاصم وجه فيها الكشاف على السور بتاعي وخلاص هيشوفني.. لمحت حاجة تحت رجلي في الطين، تخليني أغير اللعبة كلها.
ضوء الكشاف كان بيقرب من السور بسرعة، وقلبي كان بيدق لدرجة حسيت إن عاصم هيسمع دقاته. تيا في حـ,ـضني كانت بتتشنج بجسمها الصغير كله، وعينيها مقلوبة لفوق.. البنت بتضيع مني فعلاً، والثواني بتفرق بين الحياة والمـ,ـوت.
في اللحظة دي، وأنا باصة في الأرض برعب، لمحت تحت رجلي “سرنجة” طبية ملقحة في الطين، شكلها كان بتاع حد من العمال أو علبة إسعافات قديمة مفرومة وسط الردم، والسن بتاعها كان مكشوف وبيلمع تحت ضوء الكشاف اللي جاي عليا.
من غير ما أفكر، وبحركة انتـ,ـحارية، سحبت السرنجة بغل، وفي نفس الثانية اللي كشاف عاصم نور وشي تماماً وبانت ابتسامة الانتصار المقرفة على بقه وهو بيرفع المسدس:
– “لقيتك يا حلوة.. سلمي البنت بقا بدل ما…”
قبل ما يكمل كلمته، رميت نفسي لقدام بكل قوتي وغرزت سن السرنجة في ركبته المصابة اللي كان ساند عليها. عاصم صرخ صرخة مكتومة هدت حيله، والمسدس طار من إيده وهو بيقع على الأرض ماسك رجله بوجع جنوني.
